بقلم: د. أحمد أبو العينين
تمثل زيارات رئيس مجلس الوزراء والوزراء والمسؤولين إلى المناطق الاستثمارية والمصانع المصرية قيمة تتجاوز في تقديري حدود المتابعة الميدانية للمشروعات. فهي تفتح قناة مباشرة بين متخذ القرار والمستثمر، وتتيح للدولة أن ترى واقع الصناعة من داخل مواقع الإنتاج، وأن تستمع إلى أصحاب المشروعات بعيدًا عن التقارير والمكاتبات، بما يساعد على فهم التحديات بصورة أكثر دقة، والعمل على تذليل ما يمكن أن يعوق الاستثمار والتوسع.
وقد عشنا في «فارما زاد» هذه التجربة أكثر من مرة خلال فترة زمنية قصيرة. فبعد زيارة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لمصنع الشركة خلال جولته بالمنطقة الاستثمارية في بنها في أبريل الماضي، شهد المصنع مؤخرًا زيارة جديدة للدكتور محمد فريد صالح، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، وحسن رداد، وزير العمل، والدكتور المهندس حسام عبد الفتاح، محافظ القليوبية، ضمن جولة استهدفت متابعة المشروعات القائمة والاستماع إلى المستثمرين والتعرف على احتياجاتهم وخططهم الإنتاجية والتصديرية.
وأعتقد أن تكرار مثل هذه الزيارات يحمل رسالة مهمة إلى مجتمع الصناعة. فاهتمام المسؤول بالمصنع القائم لا يقل أهمية عن الاهتمام بجذب استثمار جديد؛ لأن الاستثمار الذي بدأ بالفعل في الإنتاج ووفّر فرص عمل وأصبح لديه طموح للتوسع والتصدير يحتاج بدوره إلى بيئة تساعده على الاستمرار والنمو.
بالنسبة لنا، تمثل هذه الزيارات تقديرًا لمسيرة من العمل امتدت لسنوات، لكنها في الوقت ذاته تضع على عاتقنا مسؤولية أكبر. فما تحقق لم يكن نتيجة قرار لحظي، وإنما حصيلة استثمار طويل في الصناعة والجودة والكوادر البشرية، وإيمان بقدرة المنتج المصري على المنافسة.
واليوم يصل حجم الاستثمار في مصنع «فارما زاد جروب» بالمنطقة الاستثمارية في بنها إلى نحو 500 مليون جنيه، ويوفر نحو 500 فرصة عمل، فيما يقترب الإنتاج السنوي من 70 مليون عبوة بطاقة إنتاجية تصل إلى 80 مليون عبوة. كما توجه الشركة نحو 30% من إنتاجها إلى الأسواق الخارجية، وتستهدف زيادة هذه النسبة خلال المرحلة المقبلة.
لكنني أرى أن الأهمية الحقيقية لهذه الأرقام لا تكمن في حجمها وحده، وإنما فيما تعكسه من قدرة الصناعة المصرية على الانتقال من مرحلة الإنتاج للسوق المحلية إلى بناء حضور في الأسواق الخارجية. وعندما يجد المستثمر أن الدولة تتابع هذه التجارب وتستمع إلى احتياجاتها، فإن ذلك يمثل عامل ثقة مهمًا يشجعه على مواصلة الاستثمار.
ما لا تقوله التقارير
للزيارات الميدانية ميزة يصعب أن تحققها الوسائل التقليدية للتواصل؛ فالمسؤول عندما يدخل المصنع يشاهد دورة العمل بنفسه، ويرى خطوط الإنتاج، ويتعرف على طبيعة العمالة والتكنولوجيا المستخدمة، ويستمع مباشرة إلى خطط الشركة وما يواجه تنفيذها من تحديات.
وهناك فارق بين أن تصل المشكلة إلى المسؤول في صورة مذكرة، وبين أن يستمع إليها من المستثمر وهو يقف أمام المشروع الذي تتعلق به.
وقد عبّر الدكتور محمد فريد صالح، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، خلال الجولة الأخيرة عن هذا المعنى بوضوح، عندما أكد أن متابعة المشروعات القائمة والتعرف على أوضاعها الفعلية عنصر أساسي في تطوير بيئة الاستثمار، وأن الاستماع إلى المستثمرين والتعرف على التحديات التي تواجه الشركات يساعد على تيسير الإجراءات ودعم التوسع والإنتاج والتصدير.
وهذا تحديدًا هو جوهر المسألة.
فالهدف ليس أن يحصل المستثمر على معاملة استثنائية، وإنما أن تكون هناك قناة قادرة على نقل الواقع الصناعي إلى متخذ القرار. فبعض العقبات قد تحتاج إلى قرار، وبعضها إلى تنسيق بين جهتين، وأخرى ربما لا تتطلب أكثر من تبسيط إجراء أو إعادة النظر في آلية تنفيذه.
وكلما كان هذا التواصل أكثر مباشرة وانتظامًا، أصبح من الممكن اكتشاف المشكلات مبكرًا والتعامل معها قبل أن تؤثر في خطط الاستثمار أو الإنتاج.
تقدير الجهد الصناعي
هناك جانب آخر لا يقل أهمية في هذه الزيارات، وهو ما تمثله من تقدير معنوي للصناعة والعاملين فيها.
فخلف كل مصنع قائم سنوات من العمل والاستثمار والمخاطرة والتطوير. وخلف كل خط إنتاج كوادر وعمال وفنيون وإداريون يبنون بتراكم جهودهم تجربة صناعية كاملة.
وعندما يزور رئيس مجلس الوزراء أو الوزير هذه المواقع، فإن الرسالة لا تصل إلى صاحب الاستثمار وحده، وإنما تصل إلى العاملين داخل المصنع أيضًا: أن ما يصنعونه وما يضيفونه إلى الاقتصاد محل اهتمام وتقدير.
وأعتقد أن الصناعة المصرية تحتاج إلى ترسيخ هذا الشعور. فنحن نمتلك قاعدة صناعية وخبرات بشرية ومنتجات استطاعت بالفعل أن تجد طريقها إلى أسواق خارجية، وكل تجربة تنجح في المنافسة خارج مصر تضيف إلى رصيد الصناعة الوطنية ككل.
الزيارة بداية للحوار وليست نهايته
لهذا لا أنظر إلى زيارة المسؤول للمصنع باعتبارها حدثًا ينتهي بانتهاء الجولة، وإنما أراها بداية لحوار يجب أن يستمر.
الاستثمار الصناعي طويل الأجل، واحتياجاته تتغير مع النمو والتوسع. والمصنع الذي يبدأ اليوم بطاقة معينة قد يحتاج غدًا إلى توسعات جديدة، والمشروع الذي نجح في السوق المحلية قد ينتقل إلى مرحلة التصدير، وعند كل مرحلة تظهر تحديات مختلفة.
ومن ثم، فإن التواصل بين الدولة وأهل الصناعة ينبغي أن يكون مستمرًا ومؤسسيًا، وأن تتحول الملاحظات التي تطرح خلال الجولات الميدانية إلى مسارات متابعة واضحة كلما كان ذلك ممكنًا.
إن زيارة رئيس مجلس الوزراء لمصنعنا، ثم زيارة وزير الاستثمار والتجارة الخارجية ووزير العمل ومحافظ القليوبية مؤخرًا، تؤكد بالنسبة لي أهمية هذا النهج؛ أن تذهب الدولة إلى المستثمر في موقع عمله، وأن ترى ما تحقق، وتستمع إلى ما يمكن أن يساعده على تحقيق المزيد.
كل زيارة ميدانية جادة تقرّب المسافة بين القرار وواقع الصناعة، وكل عقبة تُزال تفتح مساحة جديدة للاستثمار، وكل تجربة صناعية تنجح في التوسع والوصول إلى الخارج تضيف نجاحًا جديدًا للصناعة المصرية.
ولهذا فإن أهم ما أراه في هذه الزيارات ليس مراسمها، وإنما ما تؤسسه من جسور مباشرة بين الدولة والصناعة؛ جسور تقوم على الاستماع والثقة وفهم الواقع والعمل المشترك على تذليل العقبات.



