سرطان الثدي في مصر: كيف غيّرت مبادرة صحة المرأة خريطة الكشف المبكر؟

سرطان الثدي في مصر: كيف غيّرت مبادرة صحة المرأة خريطة الكشف المبكر؟

لم تعد رحلة المرأة المصرية إلى الوحدة الصحية مرتبطة بالخوف أو القلق كما كانت في الماضي. فخلال السنوات الست الأخيرة، تحوّلت مبادرة رئيس الجمهورية لدعم صحة المرأة من إجراء وقائي محدود إلى واحدة من أوسع برامج الفحص المبكر في تاريخ النظام الصحي المصري، واضعة سرطان الثدي، وهو أكثر السرطانات شيوعًا بين النساء، في مواجهة مباشرة مع الكشف المبكر بدل الانتظار القاتل.

من الاكتشاف المتأخر إلى الوقاية المنظمة

لسنوات طويلة، كان سرطان الثدي في مصر يُكتشف غالبًا في مراحله المتقدمة، حين تصل المريضة إلى الطبيب بعد ظهور أعراض واضحة أو مضاعفات خطيرة، وهو ما انعكس على نسب الشفاء ورفع التكلفة النفسية والمادية للعلاج. هذا النمط بدأ يتغير تدريجيًا منذ إطلاق مبادرة صحة المرأة في يوليو 2019، حيث أصبح الفحص الدوري جزءًا من الخدمة الصحية الأساسية، وليس خطوة استثنائية تلجأ إليها السيدة عند الاشتباه فقط.

أرقام غير مسبوقة تكشف حجم التحول

وفق البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة والسكان، استقبلت مبادرة صحة المرأة نحو 65 مليونًا و631 ألف زيارة حتى نهاية نوفمبر 2025، وهو رقم يعكس اتساع نطاق الفحص وثقة السيدات في المنظومة الصحية. وأسفرت هذه الجهود عن اكتشاف 36 ألفًا و48 حالة إصابة بسرطان الثدي، إلى جانب إجراء أكثر من 481 ألف فحص ماموجرام، وسحب 55 ألف عينة تحليل، وتحويل ما يقرب من 872 ألف سيدة إلى المستشفيات لإجراء فحوصات متقدمة.

هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات، بل تعني أن عشرات الآلاف من السيدات دخلن مسار العلاج في توقيت مبكر، وهو العامل الأهم في رفع نسب الشفاء التي تتجاوز 90% عند الاكتشاف المبكر، بحسب منظمة الصحة العالمية.

لماذا التركيز على سرطان الثدي؟

يُعد سرطان الثدي أكثر أنواع السرطان انتشارًا بين النساء عالميًا، حيث تسجل منظمة الصحة العالمية أكثر من 2.3 مليون إصابة جديدة سنويًا، ونحو 685 ألف حالة وفاة. وفي مصر، يمثل سرطان الثدي قرابة 32% من إجمالي سرطانات النساء، وفق بيانات الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC). لذلك، لم يكن اختيار هذا المرض محورًا لمبادرة وطنية واسعة أمرًا عشوائيًا، بل استجابة مباشرة لعبء صحي حقيقي يتطلب تدخلًا منظمًا ومستدامًا.

الفحص المبكر… حجر الأساس في المعركة

تؤكد الأدلة العلمية أن الكشف المبكر لا ينقذ حياة النساء فحسب، بل يقلل بشكل كبير من الحاجة إلى العلاجات المكثفة، مثل العلاج الكيماوي والجراحات الجذرية، ويحد من مدة الإقامة بالمستشفيات، ويخفف العبء الاقتصادي على الأسرة والدولة. وتشير دراسة منشورة في مجلة The Lancet Oncology إلى أن برامج الفحص المنظمة قادرة على خفض الوفيات المرتبطة بسرطان الثدي بنسبة تتراوح بين 30 و40%.

تعلم-الفحص-الذاتي-للثدي

كيف أعادت المبادرة تشكيل النظام الصحي؟

لم تقتصر مبادرة صحة المرأة على توفير نقاط فحص متنقلة، بل أعادت تنظيم مسار التعامل مع سرطان الثدي داخل النظام الصحي المصري، من خلال إتاحة الفحص المجاني عبر آلاف الوحدات الصحية، وإشراك عشرات المستشفيات في إجراء الفحوصات المتقدمة، إلى جانب توفير العلاج المجاني وفق أحدث البروتوكولات العالمية المعتمدة من جهات مثل الشبكة القومية الشاملة لعلاج السرطان (NCCN). هذا التكامل ساهم في تقليص الفجوة بين التشخيص والعلاج، وهي إحدى أكبر التحديات في الدول متوسطة ومنخفضة الدخل.

البعد الاقتصادي: الوقاية كحماية اجتماعية

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ما يقرب من 28% من سكان إقليم شرق المتوسط يواجهون ضائقة مالية بسبب الإنفاق الصحي من جيوبهم الخاصة. ويُعد سرطان الثدي من أكثر الأمراض تكلفة عند اكتشافه في مراحل متأخرة، ما يجعل الفحص المبكر والعلاج المجاني ليسا فقط إجراءين صحيين، بل سياسة حماية اجتماعية تمنع انزلاق الأسر من الطبقة المتوسطة إلى الفقر بسبب المرض.

تحديات لا تزال قائمة

رغم النجاحات الواضحة، لا تزال المبادرة تواجه تحديات تتعلق بتفاوت مستويات الوعي بين المحافظات، واستمرار الخوف الاجتماعي لدى بعض السيدات، وضعف الثقافة الصحية المتعلقة بالفحص الذاتي، إلى جانب الحاجة إلى تغطية إعلامية مستدامة تعزز الرسائل التوعوية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الوعي المجتمعي يمثل عاملًا حاسمًا في نجاح برامج الفحص، وليس مجرد توفر الخدمة.

التجربة المصرية في سياق عالمي

تتوافق مبادرة صحة المرأة مع المبادرة العالمية لسرطان الثدي التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية عام 2021، والتي تستهدف خفض الوفيات بنسبة 2.5% سنويًا عبر التوسع في الفحص المبكر وتحسين جودة العلاج. ويضع هذا التوافق التجربة المصرية ضمن إطار دولي معترف به، يعزز فرص استدامتها وتطويرها.

الخلاصة: ما الذي تعلّمناه؟

تؤكد تجربة مبادرة صحة المرأة أن الاستثمار في الوقاية أقل تكلفة وأكثر تأثيرًا من العلاج المتأخر، وأن الفحص المبكر يمثل سياسة صحية ذكية قادرة على إنقاذ الأرواح وحماية الأسر والمجتمع. لم تغيّر المبادرة أرقام الإصابة فحسب، بل غيّرت علاقة النساء المصريات بأجسادهن وبالخدمة الصحية، وبين كل زيارة فحص وأخرى، هناك حياة أُنقذت ومستقبل أُعيد رسمه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top