عقار GHB.. بين العلاج والإدمان

عقار GHB.. بين العلاج والإدمان

دواء غامض يتحول إلى خطر مميت يثير جدلًا عالميًا

إعداد: بوابة مصر الصحية

من داخل المختبرات الطبية خرج كدواء واعد لعلاج اضطرابات النوم القهري، لكنه سرعان ما تحوّل إلى مادة تثير الرعب في العالم.

إنه عقار GHB (حمض الغاما هيدروكسي بيوتيريك)، الذي يقف اليوم على الخط الفاصل بين الاستخدام الطبي الآمن والإدمان القاتل.

فعلى الرغم من خصائصه العلاجية في تحسين النوم وتنظيم الجهاز العصبي، إلا أن تأثيره المهدّئ والسريع على المخ جعله مادةً يساء استخدامها في الحفلات والمشروبات، حتى لُقّب في بعض الدول بـ “مخدر الاغتصاب” بسبب فقدان الوعي الكامل الذي يسببه عند تناول جرعات عالية.

بين دواء منقذ ومخدر قاتل

يقول مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري إن عقار GHB يمثل حالة استثنائية بين الأدوية، إذ تتباين الدول في تصنيفه القانوني واستخدامه الطبي.

ففي الولايات المتحدة، وثّقت السلطات أكثر من 5700 حالة تسمم أو جرعة زائدة في 45 ولاية، بينها 65 وفاة مباشرة مرتبطة بتعاطيه خارج الإشراف الطبي.

لتقرر الجهات الرقابية هناك اعتباره مادة غير آمنة وغير قانونية، إلا في نطاق محدود للغاية لعلاج اضطراب النوم القهري وتحت وصفة طبية مشددة.

أما في بريطانيا، فقد أظهرت الدراسات أن 37% من الوفيات المسجلة بين عامي 1995 و2013 ارتبطت باستخدام هذا العقار، وكان 68% من الضحايا من الذكور بمتوسط عمر 35 عامًا.

ونتيجة لذلك، تم إدراجه ضمن الأدوية الخاضعة للرقابة الصارمة، التي لا تُصرف إلا بوصفة معتمدة وتحت إشراف طبي مباشر.

وفي كندا، يُسمح باستخدام GHB كدواء لعلاج النوم القهري فقط، بينما في مصر لم يُدرج العقار حتى الآن ضمن قائمة الأدوية المصرح بتداولها، وهو ما يعكس سياسة حذرة في التعامل مع المواد ذات التأثير النفسي القوي.

تجربة أوروبا: الموازنة بين الفائدة والخطر

على صعيد الاتحاد الأوروبي، منحت المفوضية الأوروبية عام 2005 ترخيصًا لتسويق الشكل الصيدلاني من GHB، لاستخدامه في علاج اضطرابات النوم.

لكن هذا الترخيص جاء مشروطًا برقابة صارمة على وصفه وصرفه، ومتابعة دقيقة لحالة المريض لتجنب الإدمان أو إساءة الاستخدام.

ويرى خبراء الدواء في أوروبا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في العقار نفسه، بل في كيفية ضبط آليات صرفه واستخدامه، خاصة مع تزايد حالات التحويل غير المشروع للدواء إلى مادة ترفيهية تسبب التسمم أو الوفاة عند خلطها بالكحول أو المهدئات الأخرى.

توازن صعب بين العلم والخطر

الجدل حول GHB ليس مجرد قضية دواء، بل قضية وعي طبي ومجتمعي.

فهو في أصله مادة ينتجها الجسم طبيعيًا بتركيزات ضئيلة، تساهم في تهدئة النشاط العصبي وتحسين النوم، لكن تصنيعها الدوائي بجرعات مركّزة جعلها سلاحًا ذا حدين.

يحذّر خبراء السموم والأطباء النفسيون من أن الاستخدام العشوائي لهذا العقار “حتى ولو لمرة واحدة” قد يؤدي إلى تثبيط الجهاز التنفسي، والدخول في غيبوبة، وقد تصل الحالة إلى الوفاة خلال دقائق في حال خلطه بمواد كحولية أو منومة.

كما تؤكد الدراسات أن الاعتماد النفسي والجسدي على العقار يمكن أن يتكوّن بسرعة، ما يجعل التوقف عنه صعبًا دون إشراف طبي متكامل وبرامج علاجية شبيهة ببرامج علاج إدمان الأفيونات.

مصر.. حذر وقائي واستباق للمخاطر

تتبع مصر نهجًا وقائيًا في التعامل مع العقاقير التي تحمل مخاطر مزدوجة، إذ تشدد هيئة الدواء المصرية وقطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة على أهمية الرقابة الاستباقية لأي مادة قد تُستخدم خارج نطاقها الطبي.

وفي الوقت نفسه، تعمل الدولة على رفع الوعي المجتمعي بمخاطر الأدوية النفسية والمهدئات التي تُستخدم دون وصفة، عبر برامج توعية ضمن خطة مكافحة الإدمان وصندوق علاج التعاطي.

الدرس المستفاد: لا دواء آمن خارج الإشراف الطبي

القضية لا تتعلق بعقار GHB فقط، بل بمنظور أوسع حول خطورة استخدام الأدوية خارج الإشراف المتخصص.

فما يُصنَّف اليوم كـ“علاج ناجح” قد يتحول غدًا إلى مخدر قاتل إذا خرج من الإطار الطبي الآمن.

ويقول خبراء الطب النفسي إن الحل يكمن في التثقيف الصحي والرقابة الصيدلانية، وليس فقط في المنع، لأن “المعرفة هي الحماية الأولى” ضد إساءة استخدام الأدوية التي تؤثر على الجهاز العصبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top