عندما يتحول “الشات” إلى “عيادة”…مخاطر التشخيص الذاتي عبر الذكاء الاصطناعي

عندما يتحول “الشات” إلى “عيادة”…مخاطر التشخيص الذاتي عبر الذكاء الاصطناعي

في عصرٍ أصبح فيه الوصول إلى المعلومة أسرع من نبضة القلب، برزت ظاهرة “الطبيب الرقمي” والشات كبديلٍ سهل للكثيرين. وبدلاً من طرق أبواب العيادات، باتت شاشات الهواتف والذكاء الاصطناعي، هي الوجهة الأولى؛ حيث يكتب المستخدم أعراضه ليرد عليه “روبوت” بتشخيصٍ قد يبدو مقنعاً، لكنه يخفي بين طياته مخاطر قد تصل إلى حد الكارثة.

أرقام مفزعة

لا نتحدث هنا عن حالات فردية، بل عن “ترند” عالمي ومحلي مقلق:

 * تشير الدراسات العالمية إلى أن نحو 35% من البالغين يستخدمون الإنترنت لتشخيص حالاتهم الطبية.

 * أظهرت أبحاث حديثة أن دقة التشخيص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي تتراوح ما بين 34% إلى 52% فقط عند مقارنتها بالتشخيص السريري للأطباء، مما يعني أن هناك احتمالية خطأ تتجاوز الـ 50%.

 * في مصر، رصدت تقارير طبية زيادة في حالات “تسمم الأدوية” أو الحساسية المفرطة نتيجة تناول عقاقير بناءً على نصائح محركات البحث والذكاء الاصطناعي دون استشارة مختص.

وزارة الصحة المصرية تحذر: “الخوارزمية ليست بديلاً عن السماعة”

وفي تحرك استباقي، أصدرت وزارة الصحة والسكان المصرية بياناً رسمياً شديد اللهجة، حذرت فيه من الاعتماد الكلي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات الصحية. وأكدت الوزارة أن “هذه الوسائل التقنية، مهما بلغت دقتها، تظل أدواتاً استرشادية فقط، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تعوض الفحص الإكلينيكي المباشر”.

وشددت الوزارة في بيانها على أن التشخيص السليم هو عملية مركبة تشمل “التاريخ المرضي، الفحص السريري، والتحاليل الطبية”، وهي عناصر تفتقر إليها الخوارزميات التي تعجز عن قراءة لغة الجسد أو رصد التفاصيل الدقيقة التي يراها الطبيب بعينه الخبيرة.

خطر للتشخيص الذاتي

لماذا يمثل “دكتور جوجل” وزملاؤه من نماذج الذكاء الاصطناعي خطراً حقيقياً؟

 * فخ تشابه الأعراض: الصداع قد يكون إرهاقاً، وقد يكون نزيفاً؛ الذكاء الاصطناعي غالباً ما يعطي “الاحتمال الأعم” أو “الأكثر رعباً”، مما يؤدي لتضليل المريض.

 * السيبركوندريا (القلق المرضي الرقمي): وهو اضطراب نفسي ناتج عن كثرة البحث عن الأعراض، حيث ينتهي الأمر بالباحث عن “برد” بإقناع نفسه أنه مصاب بمرض عضال، مما يرفع مستويات التوتر ويؤثر على الجهاز المناعي.

 * تأخير “الساعة الذهبية”: الاعتماد على تشخيص التطبيقات قد يهدر وقتًا ثمينًا في حالات السكتات الدماغية أو الأزمات القلبية، حيث يكون التأخير في زيارة الطوارئ هو الفارق بين الحياة والموت.

 * فوضى الدواء: أخذ أدوية (خاصة المضادات الحيوية أو الكورتيزون) بناءً على اقتراح “الروبوت” يؤدي لمضاعفات خطيرة وتدمير للمناعة الطبيعية للجسم.

لماذا نهرب إلى “الذكاء الاصطناعي”؟

يرى الخبراء أن الهروب إلى الذكاء الاصطناعي يعود لثلاثة أسباب: السرعة (حل في ثوانٍ)، التكلفة (تشخيص مجاني)، والخوف (تجنب مواجهة الحقيقة في العيادة). لكن الحقيقة الصادمة هي أن تكلفة علاج “خطأ التشخيص الرقمي” قد تفوق أضعاف تكلفة الكشف الطبي المبكر والآمن.

بوابة مصر الصحية: التكنولوجيا للمساعدة.. والطبيب للقرار

إن الذكاء الاصطناعي أداة رائعة لرفع الوعي وفهم المصطلحات الطبية، لكنه “مساعد طيار” وليس القائد. التعامل الصحيح يبدأ من قاعدة ذهبية: “اقرأ لتفهم، واذهب للطبيب لتعالج”.

الوعي الصحي الحقيقي ليس في الوصول للمعلومة، بل في تقدير قيمة “الخبرة البشرية” التي لا يمكن لخوارزمية، مهما تطورت، أن تحاكي لمسة يد الطبيب أو دقة بصيرته في إنقاذ الأرواح.

بقلم: شهد وائل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top