كرامة المريض أساس التعافي

كرامة المريض أساس التعافي

كيف تحمي الدولة حقوق مرضى الإدمان ضمن مشروع بناء الإنسان؟

إعداد: عمر إمام

لم يعد ملف علاج الإدمان شأنًا طبيًا معزولًا، بل تحول إلى أحد الملفات الحيوية التي تختبر قدرة الدولة على حماية الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة. فمريض الإدمان، الذي يمر بأزمة صحية ونفسية مركبة، يحتاج إلى منظومة علاجية تحفظ كرامته وتوفر له الأمان، لا إلى كيانات مجهولة تستغل ضعفه تحت ستار «العلاج» و«التأهيل».

وخلال الفترة الأخيرة، أعادت تحركات وزارة الصحة والسكان لضبط عدد من المنشآت غير المرخصة تسليط الضوء على هذا الملف، في إطار أوسع يتصل بمشروع الدولة لبناء الإنسان، الذي يضع صحة المواطن النفسية والإنسانية في صدارة الأولويات.

الإدمان من منظور الدولة: مرض لا جريمة

تنطلق السياسة الصحية المصرية في التعامل مع الإدمان من كونه مرضًا معترفًا به طبيًا وقانونيًا، وهو ما يثبته قانون الصحة النفسية رقم 71 لسنة 2009، الذي ينظم أسس العلاج، ويشدد على ضرورة تقديمه داخل منشآت مرخصة، وتحت إشراف فرق طبية متخصصة، مع ضمان حقوق المرضى في الخصوصية والكرامة وعدم التعرض لأي ممارسات قسرية أو مهينة.

هذا الإطار القانوني يعكس رؤية أوسع ترى أن حماية الإنسان لا تتجزأ، وأن المرض — أيًّا كان نوعه — لا يسقط حق صاحبه في الرعاية الآمنة والاحترام.

منشآت خارج القانون… وخطر مضاعف

ورغم وضوح التشريعات، كشفت حملات التفتيش عن انتشار منشآت غير مرخصة تمارس نشاط علاج الإدمان دون سند قانوني، وتعتمد في كثير من الأحيان على أساليب تفتقر إلى المعايير الطبية، وقد تُلحق أضرارًا جسيمة بالمرضى نفسيًا وجسديًا.

وتكمن خطورة هذه الكيانات في أنها لا تمثل فقط مخالفة إدارية، بل تشكل تهديدًا حقيقيًا لمسار التعافي، وتُسيء إلى الثقة المجتمعية في منظومة العلاج ككل، فضلًا عن كونها تفتح الباب أمام انتهاكات تمس كرامة الإنسان.

أرقام تكشف حجم المواجهة

البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة والسكان خلال عام 2025 تعكس حجم الجهد المبذول لضبط هذا الملف، حيث أسفرت الحملات الرقابية عن:
• إغلاق أكثر من 112 منشأة غير مرخصة لعلاج الإدمان خلال النصف الأول من العام في عدد من المحافظات.
• غلق 25 مركزًا مخالفًا خلال شهر يوليو في القاهرة والجيزة.
• إغلاق 15 منشأة أخرى في أكتوبر بمحافظة الجيزة لعدم استيفائها اشتراطات الترخيص والسلامة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن المواجهة لا تستهدف حالات فردية، بل تتعامل مع ظاهرة تطلبت تدخلًا منظمًا لحماية المرضى وأسرهم.

البديل الرسمي: منظومة علاج تحترم الإنسان

في المقابل، تعمل الدولة على توفير بدائل آمنة وقانونية من خلال مستشفيات الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان المنتشرة على مستوى الجمهورية، والتي تقدم خدمات العلاج مجانًا وبسرية تامة، وفق برامج علاجية معتمدة تشمل سحب السموم، والدعم النفسي، وإعادة التأهيل المجتمعي.

كما يمثل الخط الساخن 16023 إحدى أدوات الدولة لتيسير الوصول إلى الخدمة، حيث يتيح الاستشارات والتوجيه للأسر، ويساعدهم في الوصول إلى جهات علاجية معتمدة بدلًا من الوقوع في فخ المراكز الوهمية.

الأسرة بين القلق والاختيار الصعب

تلعب الأسرة دورًا محوريًا في رحلة العلاج، لكنها غالبًا ما تواجه ضغوطًا نفسية كبيرة، تدفعها أحيانًا إلى قرارات سريعة بحثًا عن «حل عاجل». وهنا، يصبح الوعي بحقوق المريض وكيفية التحقق من ترخيص المنشآت عاملًا حاسمًا في حماية الأبناء من الاستغلال.

ويؤكد متخصصون أن العلاج الحقيقي لا يقوم على السرية المغلقة أو العزل القسري، بل على الشفافية، والتواصل، والشراكة بين الفريق العلاجي والأسرة.

الإدمان وبناء الإنسان

يرتبط هذا الملف ارتباطًا مباشرًا بمشروع الدولة لبناء الإنسان، الذي لا يقتصر على التعليم أو البنية التحتية، بل يمتد ليشمل بناء الإنسان نفسيًا وصحيًا واجتماعيًا. فمريض الإدمان الذي يحصل على علاج إنساني وآمن، هو إنسان قابل للتعافي والعودة إلى المجتمع عنصرًا منتجًا وفاعلًا.

وفي أكثر من مناسبة، شدد الخطاب الرسمي للدولة على أن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان، وأن الحماية الاجتماعية والصحية تمثل ركيزة أساسية في بناء الجمهورية الجديدة.

وعي المجتمع… الضمانة الأهم

ومع استمرار جهود الرقابة والتوسع في الخدمات العلاجية، يبقى الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول. فحماية حقوق مرضى الإدمان لا تتحقق بالقانون وحده، بل بثقافة عامة تحترم الإنسان في لحظة ضعفه، وتمنحه فرصة حقيقية للتعافي دون وصم أو استغلال.

هكذا، يصبح علاج الإدمان جزءًا أصيلًا من معركة بناء الإنسان، لا باعتباره ملفًا صحيًا فقط، بل باعتباره قضية كرامة وحق وحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top