لم يكن سكان مدينة أبو سمبل، يتعاملون مع المرض كما يتعامل معه سكان المدن الكبرى.
فعلى مدار سنوات طويلة، كان الحصول على خدمة طبية متخصصة يعني رحلة سفر شاقة قد تمتد مئات الكيلومترات إلى مدينة أسوان، وربما إلى محافظات أخرى، لإجراء فحص أو عملية جراحية أو حتى للحصول على استشارة طبية.
وكانت المسافة جزءًا من معاناة المرض.
لكن مع تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، بدأت معادلة الرعاية الصحية تتغير، ليس فقط في المدن، وإنما أيضًا في المناطق الحدودية والنائية التي ظلت لعقود تعاني نقص الخدمات الصحية المتخصصة.
واليوم أصبح مستشفى أبو سمبل واحدًا من النماذج التي تعكس هذا التحول.
70 ألف خدمة.. والأهم أن المواطن لم يعد يترك مدينته
أعلنت الهيئة العامة للرعاية الصحية أن مستشفى أبو سمبل قدم أكثر من 70 ألف خدمة طبية وعلاجية منذ تشغيل منظومة التأمين الصحي الشامل بمحافظة أسوان.
ورغم أهمية الرقم، فإن قيمته الحقيقية تكمن فيما يعبر عنه؛ فكل خدمة من هذه الخدمات تعني مريضًا لم يعد مضطرًا إلى مغادرة مدينته بحثًا عن العلاج.
فالمستشفى يخدم اليوم سكان مدينة أبو سمبل والقرى والمناطق الحدودية المحيطة، مقدمًا خدمات الطوارئ، والعيادات الخارجية، والعمليات، والأشعة، والمعامل، والغسيل الكلوي، والعلاج الطبيعي، وغيرها من الخدمات التي كانت في السابق تتطلب السفر لمسافات طويلة.
العدالة الصحية تبدأ من مكان إقامة المواطن
يقوم التأمين الصحي الشامل على فلسفة مختلفة في توزيع الخدمات الصحية، تقوم على تقريب الخدمة من المواطن، بدلًا من تحميله أعباء الانتقال إليها.
وفي المحافظات الحدودية، يكتسب هذا المفهوم أهمية مضاعفة، لأن البعد الجغرافي كان يمثل في كثير من الأحيان عائقًا أمام الحصول على الرعاية الصحية في الوقت المناسب.
ويؤكد الدكتور أحمد السبكي، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية، أن مستشفى أبو سمبل يمثل ركيزة أساسية لتقديم الرعاية الصحية المتخصصة لسكان جنوب محافظة أسوان، ويسهم في تحقيق العدالة في توزيع الخدمات الصحية، خاصة بالمناطق الحدودية والنائية.
منشآت صحية متكاملة بدلًا من الإحالة الدائمة
لا يعتمد تطوير الخدمة الصحية على إنشاء مبنى جديد فقط، وإنما على توفير منظومة متكاملة داخل المستشفى.
فمستشفى أبو سمبل يضم أقسام الطوارئ، والعمليات، والعيادات الخارجية، والمعامل، والأشعة، والصيدلية، ووحدة الغسيل الكلوي، والعلاج الطبيعي، بما يسمح للمريض بالحصول على أغلب الخدمات داخل مكان واحد دون الحاجة إلى الإحالة خارج المحافظة إلا في الحالات فائقة التخصص.
وخلال فترة التشغيل، قدم المستشفى أكثر من 20.5 ألف خدمة بالعيادات الخارجية، و17 ألف فحص معملي، و7.3 ألف خدمة أشعة، واستقبل أكثر من 6.2 ألف حالة طوارئ، إلى جانب 250 عملية جراحية و3400 جلسة علاج طبيعي.
أسوان.. شبكة متكاملة للرعاية الصحية
ولا يقتصر التطوير على مستشفى أبو سمبل وحده، إذ تشغل الهيئة العامة للرعاية الصحية حاليًا 9 مستشفيات تقدم خدمات الرعاية الثانوية والثالثية لمنتفعي التأمين الصحي الشامل بمحافظة أسوان، مع استمرار تجهيز مجمع طبي ومستشفى جديد لدعم المنظومة الصحية بالمحافظة.
وتأتي هذه التوسعات ضمن خطة الدولة لتعزيز وصول الخدمات الصحية المتخصصة إلى جميع المواطنين، بغض النظر عن مكان إقامتهم، بما يرسخ مفهوم العدالة الصحية الذي تقوم عليه منظومة التأمين الصحي الشامل.
حين تصبح المسافة خارج معادلة العلاج
ربما لا تقاس أهمية مستشفى أبو سمبل بعدد الخدمات التي يقدمها فقط، وإنما بما ألغاه من معاناة كانت جزءًا من رحلة العلاج.
ففي الماضي، كان الطريق إلى الخدمة الطبية يبدأ بالسفر.
أما اليوم، فقد أصبحت الخدمة هي التي تصل إلى المواطن.
وهذه هي الفلسفة التي يسعى التأمين الصحي الشامل إلى ترسيخها في مختلف المحافظات: أن يكون الحق في العلاج مرتبطًا باحتياج المواطن، لا ببعد المسافة أو مكان إقامته



