لم يكن للجدري علاج، ولم يكن يعرف الرحمة.
مرض يطرق الأبواب بلا إنذار، يرفع الحرارة، يشوه الوجوه، ويقتل واحدًا من كل ثلاثة مصابين.
ومع ذلك، وبعد أكثر من 3000 عام من الرعب، اختفى الجدري من العالم… لا لأنه ضعف، بل لأن البشر قرروا لأول مرة أن يقاتلوا كجبهة واحدة.
هذه ليست قصة مرض فقط، بل قصة أعظم انتصار صحي في تاريخ الإنسانية.

مرض لا يميّز بين أحد
على مدار آلاف السنين، قتل الجدري مئات الملايين.
لم يسأل عن العمر أو الطبقة أو الجغرافيا.
أصاب الفقراء في الأحياء المكتظة، كما أصاب الملوك والعظماء.
أُصيب به موتسارت، ونجا منه أبراهام لينكولن، بينما ترك ملايين غيرهم بلا أسماء، بلا قبور معروفة.
أعراضه كانت صادمة حتى بمقاييس الطب الحديث:
حمى شديدة، قيء، تقرحات بالفم، ثم بثور ممتلئة بالسوائل تغطي الجسد بالكامل.
الموت كان يأتي سريعًا، أحيانًا خلال أسبوعين، ومن ينجُ قد يفقد بصره أو قدرته على الإنجاب.

قبل اللقاح… حين سبق الناس العلم
قبل أن يعرف العالم معنى “اللقاحات”، حاول البشر النجاة بما توفر لهم.
في آسيا وأفريقيا، ظهرت ممارسة بدائية تُعرف باسم التجدير (Variolation):
نقل كمية صغيرة من إفرازات بثور الجدري إلى أشخاص أصحاء لإحداث إصابة أخف.
كانت مخاطرة، لكنها أقل فتكًا من الإصابة الطبيعية.
وفي الصين، جُففت قشور الجدري وطُحنت ونُفخت في الأنف.
وفي الهند، نُقلت العدوى عبر جروح صغيرة في الجلد.
بمقاييس اليوم، تبدو الفكرة مرعبة… لكنها أنقذت أرواحًا ومهّدت للثورة الحقيقية.
1796، لحظة غيّرت تاريخ الطب
في قرية إنجليزية هادئة، لاحظ الطبيب إدوارد جينر أمرًا غريبًا:
عاملات حلب الأبقار اللواتي يُصبن بجدري البقر، لا يُصبن بالجدري القاتل.
في مايو 1796، أخذ جينر مخاطرة علمية غير مسبوقة.
لقّح طفلًا عمره 8 سنوات يُدعى جيمس فيبس بمادة من بثرة جدري البقر.
مرض الطفل أيامًا، ثم تعافى.
بعد شهرين، اختبر جينر فكرته:
عرّض الطفل للجدري البشري القاتل.
لم يحدث شيء.
كان ذلك أول لقاح في التاريخ.
الخوف من اللقاح… قديم قدم اللقاح نفسه
لم يُقابل اكتشاف جينر بالترحيب.
انتشرت شائعات أن اللقاح “يحوّل البشر إلى أبقار”.
رفض البعض التطعيم، وهاجم آخرون الفكرة أخلاقيًا ودينيًا.
لكن العلم انتصر بالتجربة.
بحلول 1801، ثبتت فعالية اللقاح، وبدأ ينتشر من قارة إلى أخرى، حتى أصبح التطعيم إلزاميًا في بريطانيا وأجزاء من الولايات المتحدة منتصف القرن التاسع عشر.
العالم ينقسم… والجدري يحصد الأرواح
بحلول عام 1900، اختفى الجدري من أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية.
لكن في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، كان لا يزال يقتل أكثر من مليوني شخص سنويًا.
العالم كان يعرف الحل… لكنه لم يطبقه بعدالة.
1967: حين اتحد العالم ضد عدو واحد
في ذروة الحرب الباردة، فعل العالم ما بدا مستحيلًا.
أطلقت منظمة الصحة العالمية البرنامج المكثف لاستئصال الجدري.
الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، خصمان سياسيان، عملا جنبًا إلى جنب.
السوفييت وفروا لقاحات مجففة مقاومة للحرارة.
الأمريكيون دعموا سلاسل الإمداد والمراقبة الوبائية.
آلاف العاملين الصحيين جابوا القرى بيتًا بيتًا.
عُزلت الحالات، ولُقّح المخالطون فورًا.
لم يكن الهدف تطعيم الجميع فقط، بل كسر سلسلة العدوى.
مطاردة آخر الفيروسات
في عام 1970، تفشٍ في جنوب غرب الهند أصاب أكثر من 1300 شخص.
خلال أسبوع واحد، فُحصت كل البيوت، وتم تطعيم كل مخالط.
اختفى التفشي خلال أسابيع.
وفي 1977، سُجلت آخر حالة جدري طبيعية في التاريخ في الصومال.
1980،إعلان الانتصار
في مايو 1980، أعلنت منظمة الصحة العالمية رسميًا:
“لقد تحرر العالم من الجدري… أكثر الأمراض فتكًا في تاريخ البشرية”.
لم يُكتشف علاج للمرض.
لم يُهزم بعقار سحري.
بل هُزم بالوقاية، وبالعلم، وبالتعاون العالمي.
خلاصة: بوابة مصر الصحية
الجدري لم يختفِ صدفة، ولم يكن أقل خطورة من أوبئة اليوم.
لكنه سقط حين قرر البشر أن الصحة العامة قضية عالمية، لا سياسية.
بعد نصف قرن بلا حالة واحدة، يبقى الجدري شاهدًا على ما يمكن أن ننجزه…
إن اخترنا العلم بدل الخوف.



