لماذا نأكل أكثر في الشتاء… سمنة موسمية تتحول إلى أزمة صحية عالمية؟

لماذا نأكل أكثر في الشتاء… سمنة موسمية تتحول إلى أزمة صحية عالمية؟

تقرير: حنين عبدالوهاب

مع انخفاض درجات الحرارة، تتغير علاقتنا بالطعام. نتحرك أقل، نبحث عن الدفء في الأكلات الثقيلة، وتتحول “زيادة وزن الشتاء” عند كثيرين من حالة عابرة إلى مسار صحي خطير. لكن مشكلة السمنة لم تعد فردية أو موسمية، بل باتت أزمة عالمية تُهدد صحة البشر واقتصادات الدول، وعلى رأسها الدول متوسطة الدخل ٠

السمنة وباء القرن

بحسب منظمة الصحة العالمية، كان أكثر من مليار شخص حول العالم يعيشون مع السمنة في عام 2022، أي ما يعادل شخصًا من كل 8 أشخاص.
أما زيادة الوزن، فتشمل نطاقًا أوسع بكثير؛ إذ بلغ عدد البالغين الذين يعانون منها نحو 2.5 مليار شخص، من بينهم 890 مليون مصاب بالسمنة.

الأخطر أن النسب تضاعفت خلال ثلاثة عقود فقط. ففي عام 1990 كانت نسبة السمنة أقل بكثير، بينما وصلت في 2022 إلى 16% من البالغين عالميًا، مع 43% يعانون زيادة وزن. هذه الأرقام لا تعكس فقط تغيّر أنماط الأكل، بل تغيّر نمط الحياة بالكامل.

اقرا ايضاً: سمنة الأطفال في مصر: وباء صامت يفتح باب السكري وأمراض القلب مبكرًا

الأطفال يدفعون الثمن مبكرًا

السمنة لم تعد مرض الكبار. تشير تقديرات حديثة إلى أن 35 مليون طفل دون سن الخامسة كانوا يعانون زيادة الوزن في 2024، بينما ارتفعت نسبة زيادة الوزن والسمنة بين الأطفال والمراهقين (5–19 عامًا) من 8% في 1990 إلى نحو 20% في 2022.

هذه الأرقام تعني أن جيلًا كاملًا يبدأ حياته محمّلًا بعوامل خطر لأمراض مزمنة، مثل السكري وأمراض القلب، قبل أن يصل إلى سن الرشد.

لماذا يفاقم الشتاء الأزمة؟

في الشتاء، تتلاقى عدة عوامل:

انخفاض النشاط البدني بسبب الطقس
زيادة الاعتماد على الأطعمة عالية السعرات (المقليات، الحلويات، النشويات الثقيلة)
اضطرابات النوم، التي تؤثر على هرمونات الجوع والشبع
الضغط النفسي والملل، ما يدفع للأكل العاطفي

هذه العوامل لا تصنع السمنة وحدها، لكنها تُسرّع مسارها، خصوصًا لدى من لديهم قابلية وراثية أو نمط حياة غير صحي.

السمنة ليست “شكل”… بل بوابة أمراض قاتلة

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن السمنة تُعد عامل خطر رئيسي للإصابة بـ:

السكري من النوع الثاني
أمراض القلب والشرايين
ارتفاع ضغط الدم
بعض أنواع السرطان
اضطرابات المفاصل والعمود الفقري

والأمر لا يتوقف عند الجسد فقط؛ فالسمنة ترتبط بزيادة معدلات القلق والاكتئاب وتدنّي جودة الحياة، ما يجعلها قضية صحة عامة بامتياز.

شرق المتوسط ومصر: أين نقف؟

تشير تقارير إقليم شرق المتوسط إلى أن المنطقة من أعلى مناطق العالم في معدلات زيادة الوزن والسمنة، بسبب التحول السريع في أنماط الغذاء، وانتشار الأطعمة فائقة المعالجة، وتراجع الحركة.

في مصر، تُظهر البيانات أن السمنة لم تعد استثناءً، بل أصبحت نمطًا شائعًا، خاصة بين السيدات والأطفال، ما يضغط بقوة على النظام الصحي ويرفع فاتورة علاج الأمراض غير السارية.

إلى أين نتجه؟

تقديرات دولية تحذر من أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون تدخل فعّال، قد يعاني أكثر من نصف البالغين وثلث الأطفال من زيادة الوزن أو السمنة بحلول عام 2050.
هذا السيناريو لا يعني فقط مرضًا أكثر، بل إنفاقًا صحيًا أعلى، وفقدان إنتاجية، وضغطًا اقتصاديًا واجتماعيًا واسع النطاق.

ما الحل؟ ليس قرارًا فرديًا فقط

مواجهة السمنة لا تُختصر في “دايت” مؤقت أو نصيحة موسمية، بل تتطلب:

سياسات غذائية تقلل من الأطعمة عالية السكر والدهون
بيئات تشجع على الحركة والنشاط البدني
توعية صحية مستمرة تبدأ من المدارس
دمج التغذية الصحية في الرعاية الأولية
التعامل مع السمنة كمرض مزمن لا كعيب شخصي

الخلاصة:

زيادة الوزن في الشتاء قد تبدأ كعادة، لكنها في عالم اليوم تتحول بسرعة إلى مرض.
الأرقام تقول بوضوح: السمنة ليست خيارًا فرديًا، بل أزمة صحة عامة.
وكل شتاء يمر دون وعي أو تدخل، يضيف فصلًا جديدًا في كتاب الأمراض المزمنة.

في معركة الغذاء والحركة، لا نحتاج إلى حرمان… بل إلى وعي، ونظام، وسياسات تحمي صحتنا قبل أن تدفعنا الأرقام إلى ما هو أخطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top