هيئة الدواء تُقيد تداول مستحضرات تحتوي على «كلورديازيبوكسيد».. والمادة من عائلة البنزوديازيبينات وقد تُرصد في اختبارات المخدرات
أثار قرار هيئة الدواء المصرية بإدراج 6 مستحضرات دوائية، من بينها ليبراكس وكولوفرين أ، ضمن أدوية الجدول، تساؤلات بين المرضى الذين اعتادوا استخدام بعض هذه المستحضرات، خاصة في علاج اضطرابات الجهاز الهضمي والقولون.
فالقرار لا يتعلق بأدوية مجهولة أو نادرة الاستخدام، وإنما بمستحضرات يعرفها قطاع واسع من المرضى، وهو ما يطرح مجموعة من الأسئلة المهمة: لماذا أصبحت هذه الأدوية من أدوية الجدول؟ وما المادة التي أدت إلى إخضاعها للرقابة؟ وهل يمكن أن تظهر في تحليل المخدرات؟ وهل يعني القرار أن المريض يجب أن يتوقف عن تناول دوائه؟
6 مستحضرات تدخل «الجدول»
بحسب القرار الذي حصلت «بوابة مصر الصحية» على تفاصيله، شملت الإجراءات 6 مستحضرات دوائية هي:
ليبراكس – كولوفرين أ – كلوكسيد – ديبريكس – كليديا سبازم – إبيراكس.
والعامل المشترك الذي يقف وراء إخضاع هذه المستحضرات للرقابة هو احتواؤها على مادة كلورديازيبوكسيد Chlordiazepoxide ضمن تركيباتها الدوائية.
ووجّه رئيس هيئة الدواء إدارة التفتيش الصيدلي باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحريز الكميات الموجودة من المستحضرات التي تحتوي على المادة في المخازن وشركات التوزيع والصيدليات، وإعادة الكميات إلى الشركة المصرية لتجارة الأدوية، وفق الإجراءات المنظمة للقرار.
اقرأ ايضًا: هيئة الدواء تحافظ على مستوى النضج الثالث في تنظيم الأدوية واللقاحات
ما مادة «كلورديازيبوكسيد»؟
هنا تكمن القصة الطبية وراء القرار.
مادة Chlordiazepoxide تنتمي إلى مجموعة دوائية تعرف باسم البنزوديازيبينات Benzodiazepines، وهي مجموعة تؤثر في الجهاز العصبي المركزي.
وتشير المعلومات الدوائية الخاصة بتركيبة ليبراكس إلى أن الكلورديازيبوكسيد هو أحد مكوناته الفعالة وينتمي إلى البنزوديازيبينات، بينما يعمل المكون الآخر، Clidinium bromide، كمضاد للكولين وله تأثير مضاد للتقلصات في الجهاز الهضمي.
وهذا يفسر نقطة قد تبدو محيرة للمريض: كيف يتحول دواء اعتاد استخدامه لمشكلات القولون والجهاز الهضمي إلى أحد أدوية الجدول؟
الإجابة أن المسألة لا تتعلق بالاسم التجاري للدواء أو بكونه يستخدم لعلاج أعراض الجهاز الهضمي، وإنما بوجود كلورديازيبوكسيد في تركيبته وما يرتبط بهذه المادة من خصائص دوائية ومخاطر الاعتماد وسوء الاستخدام.
ليبراكس.. ماذا يحتوي ولماذا يستخدم؟
يعد Librax المثال الأكثر وضوحًا.
،تحتوي الكبسولة على 5 ملليجرامات من Chlordiazepoxide hydrochloride و2.5 ملليجرام من Clidinium bromide.
ويستخدم الدواء في بعض اضطرابات الجهاز الهضمي، وتشمل استخداماته المساعدة علاج متلازمة القولون العصبي والقرحة الهضمية والتهاب الأمعاء والقولون. ويساعد الكليدينيوم في تقليل التقلصات المعوية، بينما يمثل الكلورديازيبوكسيد المكون المنتمي إلى عائلة البنزوديازيبينات.
وبالتالي فإن المريض قد يكون قد حصل على الدواء أساسًا بسبب أعراض القولون، لكنه في الوقت نفسه يتناول ضمن تركيبته بنزوديازيبين.
السؤال الأهم.. هل يظهر ليبراكس وكولوفرين أ في تحليل المخدرات؟
نعم، هذا احتمال وارد علميًا بالنسبة للتحليلات التي تبحث عن البنزوديازيبينات، بسبب وجود كلورديازيبوكسيد، لكن النتيجة ليست مضمونة في كل اختبار أو في كل توقيت.
وتوضح Mayo Clinic Laboratories أن Chlordiazepoxide يتحول داخل الجسم إلى نواتج أيض، من بينها Nordiazepam وOxazepam، ويمكن رصد المادة أو نواتج أيضها في اختبارات البول المخصصة للبنزوديازيبينات.
وهذه نقطة مهمة للغاية بالنسبة إلى شخص يتناول أحد هذه المستحضرات بوصفة طبية ثم يخضع لتحليل مخدرات.
فالنتيجة الإيجابية للبنزوديازيبينات لا تعني في حد ذاتها إثبات إساءة استخدام المخدرات؛ فقد تكون مرتبطة بتناول دواء موصوف طبيًا يحتوي على مادة من هذه العائلة. والتحاليل التأكيدية الأكثر تخصصًا تستطيع تحديد مواد ونواتج أيض معينة بدرجة أكبر من الدقة.
وكم يستمر ظهوره في البول؟
لا يوجد رقم واحد يصلح لكل الأشخاص.
تشير بيانات Mayo Clinic Laboratories إلى أن فترة الكشف التقريبية عن Chlordiazepoxide كنواتج أيض في البول قد تصل إلى نحو 5 أيام وفق الاختبار المشار إليه، بينما تختلف المدة الفعلية باختلاف الجرعة وتكرار الاستخدام ومعدل الأيض لدى الشخص وطبيعة الاختبار المستخدم.
لذلك لا يصح صحفيًا القول إن «ليبراكس يظل في تحليل المخدرات 5 أيام» باعتبارها قاعدة ثابتة، وإنما الأدق القول إن هناك اختبارات يمكنها رصد نواتج أيض الكلورديازيبوكسيد لعدة أيام بعد الاستخدام، والمدة تختلف من حالة إلى أخرى.
هل معنى ذلك أن هذه الأدوية «مخدرات»؟
هنا يجب التفريق بدقة.
إدراج الدواء ضمن أدوية الجدول في مصر لا يعني أن المريض الذي يستخدمه للعلاج يتعاطى مخدرًا بصورة غير مشروعة.
المقصود أن المستحضر يحتوي على مادة تستوجب إخضاع تداوله وضوابط صرفه لرقابة خاصة.
كما أن التصنيفات التنظيمية تختلف من دولة إلى أخرى. فعلى سبيل المثال، تعرض Drugs.com بعض مستحضرات Librax وفق التصنيف الأمريكي باعتبارها أدوية تصرف بوصفة طبية، بينما القرار محل التقرير هو قرار تنظيمي مصري يتعلق بتداول المستحضرات داخل مصر.
لماذا تحتاج البنزوديازيبينات إلى الحذر؟
السبب لا يقتصر على ظهورها في التحاليل.
المعلومات الدوائية الرسمية الخاصة بليبراكس تحمل تحذيرات من مخاطر سوء الاستخدام والاعتماد الجسدي وأعراض الانسحاب المرتبطة بمكون الكلورديازيبوكسيد. كما أن الاستخدام المتزامن للبنزوديازيبينات مع الأدوية الأفيونية يمكن أن يؤدي إلى نعاس شديد وتثبيط التنفس والغيبوبة، وقد يصل في الحالات الخطيرة إلى الوفاة.
ولهذا فإن خضوع مادة دوائية للرقابة لا يعني بالضرورة أنها غير مفيدة علاجيًا، وإنما يعني أن استخدامها يحتاج إلى إشراف وضوابط تقلل مخاطر سوء الاستخدام والاعتماد والمضاعفات.
ما أبرز الأعراض الجانبية؟
بالنسبة إلى تركيبة Chlordiazepoxide/Clidinium الموجودة في ليبراكس، تشمل الآثار الجانبية المبلغ عنها النعاس واضطراب الاتزان والارتباك، خاصة لدى كبار السن وبعض المرضى، كما أبلغ عن الغثيان والإمساك وبعض الآثار الأخرى.
وبسبب تأثير الدواء في الجهاز العصبي، يجب الانتباه إلى النعاس وتأثيره المحتمل في القيادة أو تشغيل الآلات، وكذلك إلى التداخلات مع الأدوية الأخرى المثبطة للجهاز العصبي.
أتناول ليبراكس أو كولوفرين أ حاليًا.. ماذا أفعل؟
وهذه ربما أهم رسالة يجب أن تصل إلى المريض بعد القرار:
لا تتوقف عن الدواء من تلقاء نفسك لمجرد إدراجه ضمن أدوية الجدول، خصوصًا إذا كنت تستخدمه بصورة منتظمة منذ فترة.
فالمعلومات الطبية الخاصة بالبنزوديازيبينات تحذر من أن التوقف المفاجئ أو خفض الجرعة بسرعة بعد الاستخدام المستمر قد يؤدي إلى أعراض انسحاب قد تكون خطيرة في بعض الحالات، ولذلك قد يحتاج إيقاف العلاج إلى خفض تدريجي للجرعة تحت إشراف الطبيب.
وفي المقابل، لا ينبغي الاستمرار في استخدام هذه المستحضرات أو زيادة جرعتها من دون إشراف طبي.
أما من سيخضع إلى تحليل مخدرات لأغراض العمل أو أي إجراء رسمي وكان يتناول دواء يحتوي على كلورديازيبوكسيد بوصفة طبية، فمن المهم الاحتفاظ بالروشتة أو المستند الطبي وإبلاغ الجهة الطبية المسؤولة عن التحليل بالأدوية الموصوفة له، وفق الإجراءات التي تتبعها الجهة المختصة.
القرار يتجاوز «ليبراكس» و«كولوفرين»
القضية في النهاية ليست أن دواءين مشهورين للقولون أصبحا فجأة خطرين.
الأهم أن القرار يعيد لفت الانتباه إلى حقيقة قد يغفل عنها كثير من المرضى: الاسم التجاري أو الاستخدام الشائع للدواء لا يكشف وحده طبيعة جميع المواد الموجودة داخله.
فالمريض قد يتناول دواء لعلاج أعراض الجهاز الهضمي بينما تحتوي تركيبته على مادة تنتمي إلى البنزوديازيبينات، لها تأثيرات على الجهاز العصبي ويمكن أن ترتبط بالاعتماد وأعراض الانسحاب، كما يمكن رصدها في بعض تحاليل المخدرات.
ومن هنا تأتي أهمية القرار الجديد لهيئة الدواء المصرية، ليس فقط في تشديد الرقابة على تداول ليبراكس وكولوفرين أ وكلوكسيد وديبريكس وكليديا سبازم وإبيراكس، وإنما أيضًا في رفع وعي المرضى بأن أدوية اعتادوا أسماءها لسنوات قد تحتاج إلى مستوى مختلف من الرقابة والمتابعة الطبية.
والرسالة الأهم للمريض: إدراج الدواء على الجدول ليس سببًا للذعر أو لإيقاف العلاج ذاتيًا، لكنه سبب كافٍ لأن يصبح استخدامه تحت إشراف الطبيب ووفق ضوابط الصرف الجديدة، مع الإفصاح عنه عند إجراء تحليل مخدرات إذا كان موصوفًا لك طبيًا




