تقرير – بوابة مصر الصحية
لم تعد صحة الأطفال في مصر ملفًا علاجيًا يُدار بعد ظهور المرض، بل أصبحت ركيزة أساسية في معادلة الأمن الصحي والتنمية المستدامة. هكذا تعكس نتائج المبادرة الرئاسية للكشف المبكر وعلاج الأنيميا والسمنة والتقزم بين طلاب المدارس، التي تحولت من برنامج صحي إلى نموذج وطني متكامل للاستثمار في الإنسان، وحماية رأس المال البشري منذ سنواته الأولى.
وزارة الصحة والسكان كشفت عن حصاد غير مسبوق لهذه المبادرة، التي تمثل أحد أبرز التحولات في السياسات الصحية المصرية، حيث انتقلت الدولة من منطق «علاج المرض» إلى استراتيجية «الوقاية أولًا»، باعتبارها المسار الأكثر كفاءة صحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
فحص شامل لأكبر قاعدة طلابية في تاريخ مصر الصحي
وفق البيانات الرسمية، نجحت المبادرة منذ انطلاقها وحتى منتصف ديسمبر 2025 في فحص أكثر من 60 مليون و800 ألف طالب في مختلف محافظات الجمهورية، ضمن واحدة من أوسع برامج الفحص الصحي المدرسي التي تنفذها دولة على مستوى العالم. هذا الانتشار الواسع عكس التزامًا واضحًا بمبدأ العدالة الصحية، وضمان وصول الخدمات الوقائية المجانية عالية الجودة إلى جميع الأطفال دون تمييز جغرافي أو اجتماعي.
ولم تقتصر المبادرة على القياس والكشف، بل امتدت لتشمل منظومة متكاملة من العلاج المجاني والمتابعة والدعم الغذائي والتوعية الصحية، بما يضمن معالجة الأسباب الجذرية للمشكلات الصحية، لا الاكتفاء برصدها.
أرقام تكشف عائد الوقاية على صحة واقتصاد الدولة
الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أعلن نتائج دراسة تحليلية شاملة أُجريت على 27.9 مليون طالب جرى فحصهم خلال الفترة من 2020 وحتى نهاية 2023، موضحًا أن أكثر من 8.6 مليون طالب تلقوا خدمات علاجية ودعمًا غذائيًا ومتابعة صحية وفق أحدث البروتوكولات الطبية المعتمدة عالميًا.
الدراسة كشفت أن المبادرة لم تحقق مكاسب صحية فقط، بل سجلت عائدًا اقتصاديًا واضحًا، حيث بلغت نسبة العائد على الاستثمار نحو 51%، عبر تحقيق وفورات مباشرة في تكاليف علاج الأمراض ومضاعفاتها تُقدّر بنحو 34.8 مليار جنيه، إلى جانب تجنب خسائر إنتاجية مستقبلية تُقدّر بنحو 31 مليار جنيه، نتيجة تحسين الصحة العامة والقدرة البدنية والذهنية للأجيال القادمة.
من الوقاية إلى حماية الأمن الصحي
توضح وزارة الصحة أن خطورة الأنيميا والسمنة والتقزم لا تكمن فقط في آثارها قصيرة المدى، بل فيما تسببه من مضاعفات صحية مزمنة تمتد لسنوات، مثل أمراض القلب والسكري وضعف المناعة وتأخر النمو الذهني، وهو ما يجعل الاكتشاف المبكر والتدخل العلاجي استثمارًا مباشرًا في تقليل العبء المستقبلي على المنظومة الصحية.
وعلى المستوى الإنساني، أسهمت المبادرة في تحسين فرص النمو السليم للأطفال، ورفع قدرتهم على التعلم والتركيز والتحصيل الدراسي، بما ينعكس على جودة التعليم، والإبداع، والإنتاجية المستقبلية، ويعزز من قدرة المجتمع على التنمية المستدامة.
صحة الطفل… أساس رؤية مصر 2030
تؤكد وزارة الصحة والسكان أن المبادرة تأتي في قلب توجه الدولة لتنفيذ رؤية «مصر 2030»، التي تضع الإنسان في صدارة أولوياتها، وتعتبر أن الاستثمار في صحة الطفل اليوم هو الضمان الحقيقي لأمن الوطن الصحي والاقتصادي غدًا.
وتواصل الوزارة التوسع في المبادرة وتطويرها، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية، وبما يرسّخ مفهوم أن الوقاية ليست تكلفة إضافية، بل أذكى استثمار طويل الأمد يمكن أن تقوم به الدولة، يحمي الأجيال القادمة، ويُخفف الأعباء عن النظام الصحي، ويعزز كفاءة رأس المال البشري المصري.
الخلاصة:
ما حققته مبادرة الكشف المبكر عن الأنيميا والسمنة والتقزم يؤكد أن التحول نحو الصحة الوقائية لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية، وأن حماية صحة الأطفال ليست فقط مسؤولية أخلاقية، بل ركيزة أساسية لبناء مستقبل أكثر قوة واستدامة لمصر.



