يُعد مرض السكر واحدًا من أقدم الأمراض التي عرفها الإنسان، لكنه في الوقت نفسه من أكثر الأمراض التي شهدت تطورًا هائلًا في الفهم والعلاج عبر العصور، حتى أصبح اليوم مرضًا يمكن التعايش معه والسيطرة عليه، بعدما كان في الماضي حكمًا قاسيًا بالموت.

مرض السكر في العصور القديمة
يرجع أقدم وصف لمرض السكر إلى أكثر من 3500 عام، حيث ورد في برديات مصر القديمة وصف لحالات تعاني من العطش الشديد وكثرة التبول وفقدان الوزن، وهي أعراض تتطابق مع ما نعرفه اليوم بمرض السكر.
وفي الهند القديمة، أطلق الأطباء على المرض اسم “بول العسل”، بعدما لاحظوا أن بول المرضى يجذب النمل، في إشارة مبكرة لارتفاع نسبة السكر في البول، وهي ملاحظة بدائية لكنها عبقرية بمعايير ذلك العصر.
أما في اليونان القديمة، فقد وصف الأطباء المرض باعتباره حالة يفقد فيها الجسم السوائل بسرعة، واشتُق اسم “Diabetes” من كلمة يونانية تعني “المرور أو السيلان”.
العلاجات قديمًا: محاولات بلا دواء
حتى القرن التاسع عشر، لم يكن هناك علاج حقيقي لمرض السكر، وكانت المحاولات العلاجية تعتمد على:
• أنظمة غذائية قاسية جدًا
• تقليل الطعام إلى أدنى حد
• وصفات عشبية غير مثبتة
وكان الهدف إطالة عمر المريض قليلًا، لا شفاؤه، خصوصًا لدى الأطفال المصابين بالنوع الأول، حيث كانت الوفاة تحدث خلال شهور قليلة.

الاكتشاف الأعظم: الإنسولين يغيّر المصير
شهد عام 1921 نقطة تحول تاريخية في علاج مرض السكر، مع اكتشاف هرمون الإنسولين، الذي غيّر المرض من حكم بالإعدام إلى حالة مزمنة يمكن السيطرة عليها.
وفي عام 1922، تم إعطاء أول جرعة إنسولين لطفل مصاب بالسكر من النوع الأول، لينجو من الموت، ويبدأ عصر جديد في الطب.
هذا الاكتشاف فتح الباب أمام:
• إنقاذ ملايين الأرواح
• إطالة متوسط عمر مرضى السكر
• فهم أعمق لطبيعة المرض
تطور العلاج في القرن العشرين
مع مرور الوقت، تطورت علاجات السكر بشكل كبير، فظهرت:
• أنواع مختلفة من الإنسولين (قصير، متوسط، طويل المفعول)
• أقراص خافضة للسكر لمرضى النوع الثاني
• أجهزة قياس السكر المنزلية بدل التحاليل المعملية فقط
وأصبح التحكم في السكر يعتمد على ثلاثية أساسية:
العلاج + التغذية + النشاط البدني.

العلاجات الحديثة: السيطرة بدل المعاناة
في العصر الحديث، لم يعد علاج السكر يقتصر على الحقن أو الأقراص فقط، بل شهد طفرة كبيرة تشمل:
• أقلام الإنسولين الذكية
• مضخات الإنسولين
• أجهزة قياس السكر المستمر (CGM)
• أدوية حديثة تقلل المضاعفات القلبية والكلوية
• جراحات السمنة كحل علاجي لبعض الحالات
وأصبح الهدف ليس فقط خفض السكر، بل منع المضاعفات والحفاظ على جودة حياة المريض.
من الماضي إلى المستقبل
اليوم، تتجه الأبحاث نحو:
• العلاج بالخلايا الجذعية
• زراعة خلايا البنكرياس
• تطوير إنسولين ذكي يعمل تلقائيًا حسب مستوى السكر
• استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المرض
وهو ما يجعل الأمل قائمًا في مستقبل قد يشهد علاجًا جذريًا للمرض.
الخلاصة
مرض السكر رحلة طويلة بدأت منذ آلاف السنين، مرّت بمحطات قاسية، لكن العلم غيّر مسارها.
وما كان يومًا مرضًا قاتلًا، أصبح اليوم حالة يمكن التعايش معها…
بالعلم، والالتزام، والوعي.



