الهيموفيليا ليست مجرد مرض نادر يصيب عوامل التجلط في الدم، بل هي معركة يومية يخوضها المرضى منذ لحظة تشخيصهم وحتى آخر العمر. مرض يولد به الطفل في معظم الحالات، وقد يظل غير مكتشف حتى يحدث نزيف غير منطقي من كدمة بسيطة، أو ورم مؤلم في مفصل صغير. ومع أن الهيموفيليا تُصنّف طبيًا كاضطراب نزيف وراثي، إلا أنها في الواقع «نمط حياة» يفرض قيوده على الطفل وأسرته، ويختبر قدراتهم النفسية والاجتماعية على المدى الطويل.

ما هي الهيموفيليا؟
الهيموفيليا ببساطة هي أن الدم لا يتجلط كما يجب، لأن الجسم لا يملك ما يكفي من عامل التخثر. في الهيموفيليا A يغيب العامل الثامن، وفي الهيموفيليا B يغيب العامل التاسع، وكلاهما يقع على الكروموسوم X، مما يجعل المرض يصيب الذكور بنسبة كبيرة بينما تحمل النساء الجين دون أعراض في أغلب الحالات. وقد يولد الطفل بالمرض نتيجة وراثة مباشرة، إلا أن ثلث الحالات تقريبًا تحدث بسبب طفرة جينية جديدة لم تكن موجودة في العائلة من قبل.
يقدّر عالميًا أن واحدًا من كل 10 آلاف شخص مصاب بالهيموفيليا، وأن نحو 450 ألف شخص حول العالم يعيشون اليوم مع المرض بدرجات مختلفة. وفي مصر، تشير البيانات الدولية الحديثة إلى وجود أكثر من 10 الألفمن المتعايشين المسجلين، بينما تظل أعداد أخرى غير مشخصة أو تكتشف متأخرًا بعد إصابة شديدة أو نزيف مفاجئ.
وجوه المعاناة… ألم مستمر وحياة مقيدة
لا تظهر الهيموفيليا عادة عند الولادة، بل تبدأ مع خطوات الطفل الأولى. وهنا تبدأ الحكاية الأكثر قسوة.
سقوط بسيط لطفل طبيعي قد ينتهي ببكاء قصير، بينما الطفل المصاب بالهيموفيليا قد يعاني نزيفًا داخليًا في المفصل لا يراه أحد، يبدأ بوخزات غير مبررة ثم يتحول إلى ألم لا يحتمل، وتورّم يمنعه من الحركة. ومع كل نوبة نزيف جديدة، يتآكل جزء من غضروف المفصل ويزداد خطر الإعاقة الدائمة.
تشير دراسات دولية إلى أن 75% من المرضى يعانون آلامًا متوسطة أو شديدة، وأن 59% يواجهون صعوبات في الحركة نتيجة تلف المفاصل مع مرور الوقت. كما يعاني 46% من مشكلات نفسية مثل القلق والاكتئاب نتيجة الألم والتقييد المستمر، في حين يؤثر المرض على حياة الأسرة بأكملها، حيث أبلغ 63% من أولياء الأمور أن الهيموفيليا تعيق عملهم وحياتهم اليومية بسبب المتابعة المستمرة.
النزيف المفصلي ليس المشكلة الوحيدة. فهناك أنواع من النزيف قد تهدد الحياة مثل النزيف داخل الجمجمة أو البطن أو العضلات العميقة، ما يجعل أي كدمة غير متوقعة مصدر قلق بالغ للأسرة.

لماذا تتأخر الفحوصات؟ ولماذا يتأخر التشخيص؟
تتداخل أعراض الهيموفيليا الخفيفة والمتوسطة مع كدمات الطفولة الطبيعية، مما يؤخر التشخيص في كثير من الحالات. وقد يُكتشف المرض لأول مرة بعد إجراء عملية بسيطة مثل خلع ضرس، أو عند تعرض الطفل لجرح صغير لا يتوقف نزيفه. أما الحالات الشديدة فتظهر مبكرًا خلال السنة الأولى من العمر، وغالبًا بعد بدء الطفل في الزحف والمشي.
تأخر التشخيص يعني بداية نزيف لا يُرى بالعين، لكنه يترك أثرًا دائمًا داخل المفصل. وكل نوبة نزيف غير معالجة تقصّر من عمر المفصل وتزيد من احتمالات الإصابة بإعاقة حركية لاحقًا.
العلاج… بين التعويض والوقاية
يعتمد العلاج الأساسي للهيموفيليا على تعويض العامل المفقود، إما عند حدوث النزيف أو بشكل وقائي منتظم. العلاج الوقائي يُعد الأحدث والأكثر فعالية، لأنه يمنع النزيف قبل حدوثه، ويقلل الحاجة لدخول المستشفى، ويحمي المفاصل من التلف.
وقد شهدت السنوات الأخيرة طفرة في الأدوية طويلة المفعول التي تؤخذ تحت الجلد أو عبر الوريد، مما سهّل حياة المرضى بشكل كبير. إلا أن التحدي الأصعب هو ظهور «المثبطات»، وهي مضادات مناعية تجعل الجسم يهاجم العلاج نفسه، وتحدث لدى 30% من مرضى الهيموفيليا A، ما يجعل العلاج أكثر تعقيدًا.
ورغم ذلك، تتقدم الأبحاث اليوم نحو علاجات جينية تستهدف جذور المرض وتعمل على إعادة إنتاج عوامل التجلط داخل جسم المريض مباشرة. وإذا نجحت هذه التقنيات على نطاق واسع، فقد تصبح الخطوة الكبرى التالية في علاج هذا الاضطراب.
حياة يمكن أن تكون طبيعية… لكن بالوعي والرعاية المبكرة
الهيموفيليا ليست حكمًا بالإعاقة، لكنها تحتاج إلى وعي مبكر وسرعة في العلاج. يستطيع الأطفال المصابون أن يعيشوا حياة طبيعية إلى حد كبير إذا جرى تشخيصهم مبكرًا وتلقّوا علاجًا وقائيًا منتظمًا، مع تجنب الرياضات العنيفة ومراقبة أي كدمات أو تورّمات غير مبررة.
أما الأسر، فتحتاج إلى الإلمام الكامل بعلامات النزيف المبكر، وطريقة التعامل مع الإصابات المفاجئة، والتواصل المستمر مع مراكز متخصصة قادرة على توفير العلاج السريع. فكل دقيقة تأخير قد تصنع فارقًا كبيرًا بين مفصل سليم وآخر تالف.

مرض نادر لكنه شديد التأثير
الهيموفيليا مرض وراثي لكنه يمسّ حياة أسر كاملة. ومع تقدم الطب، أصبح بالإمكان تجنب الكثير من المضاعفات التي كانت شائعة قبل عقد واحد فقط. لكن النجاح الحقيقي يبدأ بالوعي… بالمعرفة… وبأن نفهم أن الطفل المصاب لا يحتاج إلى الشفقة بقدر ما يحتاج إلى رعاية طبية دقيقة وحياة طبيعية مدعومة بأسرة واعية ونظام صحي قادر على الاستجابة.
الهيموفيليا ليست النهاية، لكنها رحلة طويلة تحتاج إلى دعم المجتمع والعلم والإنسان معًا.



