إعداد: رجاء ناجي
في عالم تتقدم فيه التكنولوجيا الطبية بخطوات هائلة، يظهر تهديد صامت يهدد بإعادة البشرية إلى زمن ما قبل اكتشاف البنسلين… زمن كانت فيه العدوى البسيطة كفيلة بإنهاء حياة إنسان.
هذا التهديد هو مقاومة المضادات الميكروبية (AMR)، والتي وصفتها منظمة الصحة العالمية بأنها أحد أكبر 10 تهديدات صحية عالمية، حيث تتزايد العدوى التي لم تعد تستجيب للعلاج، ما يجعل العمليات الجراحية، علاجات السرطان، وزرع الأعضاء… إجراءات عالية الخطورة
تقرير حديث لمجلة “ذا لانست” كشف أن مقاومة المضادات تسببت في 1.27 مليون وفاة مباشرة عام 2019، وارتبطت بخمسة ملايين وفاة إضافية. أما منظمة الصحة العالمية، فأكدت في تقريرها لعام 2025 أن مقاومة المضادات ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة عالميًا، خاصة في إقليم شرق المتوسط.

أزمة تتفاقم عالميًا
تقرير منظمة الصحة العالمية الأخير أظهر أرقامًا مقلقة، من بينها:
• حالة واحدة من كل ثلاث إصابات بكتيرية في إقليم شرق المتوسط أصبحت مقاومة للمضادات الحيوية.
• ارتفاع مقاومة المكورات العنقودية الذهبية إلى أكثر من 50%.
• تجاوزت مقاومة بكتيريا الراكدة لمضاد “إيميبينيم” نسبة 66%، وهو علاج يُعد من الخط الأخير لمواجهة العدوى الشديدة.
• ارتفاع مقاومة السالمونيلا لمضاد “سيفترياكسون” إلى 56.9%، وهو الأعلى عالميًا.
ورغم هذه المؤشرات، سجل الإقليم إنجازًا يتمثل في التزام جميع دوله بتقديم بيانات الترصد العالمية للمقاومة منذ عام 2016، مما يساعد في تحليل الأنماط وتوجيه الخطط الوطنية.
كما وصفت الدكتورة حنان بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، الوضع بأنه “موجة متصاعدة هي الأخطر على الإطلاق”، مؤكدة أن المواجهة ليست مسؤولية المؤسسات الصحية فقط، بل مسؤولية المجتمع بأكمله.

لماذا وصلنا إلى هذه النقطة؟
تُعد إساءة استخدام المضادات الحيوية العامل الأكبر في تفاقم الأزمة، سواء عبر:
• وصف المضادات الحيوية لأمراض فيروسية مثل نزلات البرد.
• شراء المضادات دون وصفة طبية.
• التوقف عن العلاج قبل موعده.
• الاستخدام المفرط للمضادات في مزارع الدواجن والماشية.
تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2025 كشف أن معدلات استخدام المضادات الحيوية في إقليم شرق المتوسط هي الأعلى عالميًا، بمعدل 23 جرعة يومية محددة لكل 1000 نسمة يوميًا.
كما تشير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن 60% من المضادات الحيوية عالميًا تُستخدم في الزراعة وتربية الحيوان، ما يسهم في انتقال المقاومة عبر السلسلة الغذائية والبيئة.

مصر… تحرك مبكر ورؤية وطنية
في مصر، بدأت المواجهة مبكرًا من خلال الخطة الوطنية لمكافحة مقاومة المضادات، تحت مظلة مفهوم “صحة واحدة” الذي يربط بين الإنسان والحيوان والبيئة.
يقول الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس الوزراء ووزير الصحة والسكان:
“مصر تتبنى نهجًا متكاملًا لمواجهة مقاومة المضادات يشمل ترشيد الاستخدام، تطوير نظم الترصد، وتعزيز مكافحة العدوى في المستشفيات والمجتمع.”
وتتضمن الجهود المصرية:
• نظام وطني للترصد الإلكتروني لأنماط المقاومة.
• تدريب الكوادر الصحية على بروتوكولات وصف المضادات.
• حملات توعية للمواطنين حول خطورة الاستخدام العشوائي.
• تشديد الرقابة على صرف المضادات الحيوية عبر هيئة الدواء المصرية.
• التعاون مع وزارة الزراعة لضبط استخدامها في الحيوان والطيور.
أما الدكتور عمرو قنديل، نائب وزير الصحة للطب الوقائي، فيوضح أن:
“المعركة لن تُحسم دون وعي المواطنين. كل مضاد يُستخدم دون وصفة هو خطوة جديدة نحو فقدان فعاليته. والوزارة تقوم بعدد حملات لنشر الوعي الصحي بهذه القضية الهامة،
واشار الى ان هناك مسارات متعددة تنشر مقاومة المضادات منها :
• عدوى المستشفيات نتيجة ضعف تطبيق مكافحة العدوى.
• الإفراط في المضادات واسعة الطيف.
• صرف المضادات دون تشخيص دقيق.
• استخدام المضادات في تسمين الدواجن والأسماك.
• التخلص غير الآمن من النفايات الدوائية.
هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة مثالية لظهور بكتيريا جديدة لا تستجيب للعلاج، وقطاع الطب الوقائي بوزارة الصحه لديها انظمة لتتبع كل هذه المسارات و الرصد الوبائي على اعلي مستوي

تهديد للصحة والاقتصاد
يحذر البنك الدولي من أن استمرار الوضع قد يؤدي بحلول عام 2050 إلى خسائر اقتصادية تتجاوز 100 تريليون دولار عالميًا، وانخفاض الناتج المحلي العالمي بنسبة 3.8%.
الأزمة ليست صحية فقط، بل لها تأثير مباشر على الاقتصاد، وسوق العمل، وقدرة الدول على مواجهة العدوى الطارئة.
هل يمكن وقف الأزمة؟
ترى منظمة الصحة العالمية أن نافذة الحل ما زالت مفتوحة، لكنها تضيق سريعًا. ويستلزم النجاح التزامًا عالميًا ومحليًا عبر:
• ترشيد وصف المضادات الحيوية.
• تحسين التشخيص المخبري.
• تعزيز مكافحة العدوى في المستشفيات.
• رفع الوعي المجتمعي.
• مراقبة استخدام المضادات في الحيوان.
• الاستثمار في الأبحاث وتطوير مضادات جديدة.
وتؤكد الدكتورة حنان بلخي أن “التحرك الآن ضرورة لحماية الحاضر وضمان مستقبل يمكن فيه علاج العدوى بفعالية.”

الخلاصة
مقاومة المضادات الميكروبية ليست تحديًا قادمًا، بل أزمة قائمة بالفعل تؤثر على كل منزل وكل مجتمع. ومع استمرار الإساءة في استخدام المضادات، قد نجد أنفسنا أمام حقبة جديدة تعجز فيها الأدوية عن مواجهة العدوى البسيطة.
لكن الأمل يبقى قائمًا. فالوعي المجتمعي، وسياسات الدولة، ودعم المؤسسات الصحية يمكنها أن تبطئ وتيرة الأزمة، وتحمي قدرة الطب الحديث على إنقاذ الأرواح.
المضاد الحيوي ليس دواءً عاديًا، بل مسؤولية مشتركة… وإذا فقدناه، فقدنا أحد أهم أسلحة الطب الحديث.



