لو أن اسم يوسف لاعب نادي الزهور لم يُكتب في شهادات البطولة، فقد كُتب للأسف في قائمة ضحايا الإهمال الرياضي. رحل طفل في حوض سباحة يفترض أنه «مكان آمن» تحت لافتة بطولة رسمية، لكن من دون تجهيزات إنعاش كافية، ومنظومة وقاية متكاملة، ووجود طبي مدرَّب على لحظة الخطر.
قصة يوسف ليست حادثًا معزولًا بقدر ما هي جرس إنذار لواقع أوسع: رياضة تُمارَس في كثير من الأحيان بشكل عشوائي، وبُنى تحتية متهالكة، وبطولات مزدحمة بلا تنظيم، وأطفال يقضون ساعات على الأرض في صالات مغلقة، أو في برد مكشوف عند حمامات السباحة، بينما تتحول الرياضة من مصدر صحة وسعادة إلى باب للإصابة وربما فقدان الحياة.
هذا التقرير يحاول أن يضع الظاهرة في سياقها العالمي، ويقارن بما يجري في مصر، ويرصد كيف يمكن أن تتحول «الرياضة العشوائية» إلى تهديد حقيقي لصحة أطفالنا وشبابنا.
ملايين الإصابات سنويًا… الرياضة ليست آمنة تلقائيًا
الرياضة ضرورة صحية، لكن ممارستها دون ضوابط تجعل الإصابات جزءًا «متوقعًا» من المشهد.
في الولايات المتحدة وحدها تشير بيانات جهات متخصصة إلى أن أقسام الطوارئ تستقبل سنويًا ما بين 2.5 و3.5 مليون طفل ومراهق بسبب إصابات مرتبطة بالرياضة والأنشطة الترفيهية، أي ما يوازي إصابة رياضية لطفل أو شاب تقريبًا كل 20–25 ثانية، مع كون الإصابات الرياضية من أهم أسباب زيارات الطوارئ في الفئة الصغيرة سنًا.
وتُظهر تحليلات عالمية أن المراهقين واليافعين هم الفئة الأكثر تعرّضًا لإصابات الإفراط في الاستخدام وإصابات المفاصل والعضلات، خصوصًا في الألعاب الشائعة مثل كرة القدم وكرة السلة والجمباز والسباحة، وأن الرياضة التنافسية غير المنظَّمة تضاعف المخاطر مقارنة بالبرامج المؤهلة التي تلتزم بمعايير السلامة.
في الوقت نفسه، تذكّر منظمة الصحة العالمية بأن الإصابات غير المتعمدة عمومًا – ومنها الإصابات المرتبطة بالنشاط البدني والرياضة – أصبحت من بين أهم أسباب الوفاة والمرض في الفئة العمرية من 5 إلى 29 عامًا عالميًا، ما يجعل الوقاية منها جزءًا أساسيًا من سياسات الصحة العامة.
وماذا عن مصر؟ غياب أرقام… وحضور واضح للمشكلة
في مصر، لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات وطنية منشورة ترصد إصابات الرياضيين بشكل دوري، لكن الدراسات الأكاديمية المحدودة التي أُجريت على طلاب كليات التربية الرياضية ولاعبي كرة القدم والرياضات الفردية تشير إلى معدلات مرتفعة من إصابات العضلات والمفاصل والعمود الفقري، وإلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الإصابات يرتبط بالتدريب الزائد أو غياب الإحماء السليم أو سوء أرضية الملاعب.
ما يلفت الانتباه أن أغلب هذه الأبحاث تتحدث عن «الرياضة المنظمة نسبيًا» داخل أندية أو كليات أو اتحادات. فما بالنا بما يجري في المسابقات الجماعية المفتوحة وبطولات المناطق والجمهورية، والأكاديميات الخاصة التي تعمل أحيانًا دون ترخيص واضح أو حد أدنى من اشتراطات السلامة الطبية؟
الصورة التي تتكرر في شهادات الأهالي تشبه بعضها:
أطفال سباحة يقضون ساعات طويلة في برد قاسٍ حول حمام سباحة مكشوف، مدرجات متهالكة، زحام شديد، غياب مظلات أو مناطق انتظار محترمة، مداخل ومخارج غير منظمة، وفريق طبي محدود أو غير مجهز بأجهزة إنعاش قلبي رئوي.
وفي قاعات ألعاب الدفاع عن النفس والكاراتيه والتايكوندو، يجلس الأطفال على الأرض بالإطقم الرسمية لساعات، من الثامنة صباحًا حتى المساء، في انتظار دورهم، وسط ازدحام بلا تهوية كافية أو تنظيم صارم لعدد المباريات والزمن الفاصل بينها.
كثير من الإصابات التي تحدث في تلك الأجواء – التواءات حادة، ارتطامات، نوبات إغماء، وربما توقف قلب مفاجئ في حالات نادرة – لا تجد أمامها منظومة طوارئ حقيقية، بل طبيبًا عامًا واحدًا أو مسعفًا بلا جهاز صدمات كهربائية ولا بروتوكول مكتوب لتعامل الفرق واللجان مع لحظة الخطر.
منظم عالميًا… عشوائي محليًا
في الدوريات العالمية الكبرى، تُعامَل إصابات الرياضيين باعتبارها ملفًا علميًا واقتصاديًا في آن واحد.
في كرة القدم مثلًا، توثق اتحادات محترفة ومراكز بحثية معدلات الإصابات لكل ألف ساعة لعب وتدريب؛ ففي بعض الدوريات الأوروبية تصل إصابات المباريات إلى أكثر من 25 إصابة لكل ألف ساعة لاعب، مقابل أقل بكثير في حصص التدريب، ما يسمح بتعديل الأحمال التدريبية وطرق اللعب لحماية اللاعبين.
تملك الأندية هناك فرقًا طبية متكاملة، وأجهزة إنعاش متقدمة، وبروتوكولات واضحة للتعامل مع ارتطامات الرأس، وضربات الشمس، وحالات توقف القلب المفاجئ، إلى جانب سجلات إلكترونية لكل لاعب تتابع تاريخه الإصابي وتحدد وقت العودة الآمنة للملاعب.
في المقابل، يظل جزء كبير من الرياضة المصرية – خاصة في المراحل السنية الصغيرة وبطولات المحافظات والقاهرة والجمهورية – أقرب إلى «الرياضة العشوائية» المنظمة شكليًا فقط.
القواعد الطبية مكتوبة لكنها لا تُطبَّق دائمًا، وجود سيارة إسعاف في محيط البطولة يتحول أحيانًا إلى إجراء شكلي، ولا توجد نظم موحدة تلزم كل بطولة بوجود أجهزة صدمات قلبية أو تدريب إلزامي للحكام والمدربين على الإنعاش القلبي الرئوي.
اللافت أن الدولة تستثمر بقوة في استضافة وتنظيم بطولات عالمية وقارية على أعلى مستوى، بمدن رياضية متميزة وتجهيزات حديثة، بينما تبقى البطولات المحلية – وهي المعمل الحقيقي لصناعة البطل – أقل حظًا من حيث الاستثمار في البنية التحتية والسلامة. ومع أن منتخبات مصر في السباحة، والكاراتيه، وألعاب القوى، وغيرها، تُصنَع أساسًا من هؤلاء الأطفال الذين يمرون عبر بطولات المناطق والقاهرة والجمهورية، فإن ظروف تنظيم هذه البطولات كثيرًا ما تعكس صورة بعيدة عن روح الرياضة التي نريد غرسها في نفوسهم.
أكاديميات بلا اشتراطات… حين يصبح التدريب مخاطرة يومية
خلال السنوات الأخيرة انتشرت «أكاديميات» خاصة لتعليم السباحة والرياضات المختلفة، بعضها يتبع أندية محترمة، لكن جزءًا منها ليس سوى حمام سباحة مدرسة أو ملعب صغير تم تحويله تجاريًا إلى «أكاديمية» دون تجهيزات كافية أو نظام سلامة واضح.
في هذه المساحات يقف مدرب واحد أحيانًا وسط عشرات الأطفال، دون تواجد دائم لمسعف، ودون أجهزة إنعاش، وفي أحيان أخرى دون حتى سلالم آمنة أو عمق مناسب.
في الرياضات القتالية، تفتقر بعض المراكز الخاصة إلى أدوات حماية معتمدة، وتُترك مسألة ملاءمة التدريب لعمر الطفل وحالته الصحية لتقدير مدرب قد لا يمتلك تأهيلًا طبيًا أو تربويًا كافيًا.
هذه الفجوة بين «الرياضة كمشروع تجاري» و«الرياضة كمجال مسؤولية صحية» هي ما يجعل حوادث الإهمال أقرب إلى نتيجة منطقية من كونها مفاجأة، خاصة عندما يقترن ذلك بغياب نظام واضح لترخيص الأكاديميات، وتفتيش دوري صارم، وربط تجديد التراخيص بالتزام فعلي باشتراطات السلامة.
من يدفع الفاتورة؟
الضحية الأولى لهذا الخلل هم الأطفال والأسر.
طفل يتعرض لإصابة ركبة أو عمود فقري في سن مبكرة قد يحمل آثارها لبقية حياته. إصابة في الرأس أو نوبة إغماء لا تجد استجابة طبية عاجلة قد تتحول إلى مأساة.
أسرة تدفع من وقتها ومالها لتوفير التدريب والملابس والاشتراكات، ثم تجد نفسها أمام فاتورة علاج طويلة، أو أمام خسارة لا تعوَّض.
لكن هناك فاتورة أخرى للمجتمع نفسه؛ فالإصابات المتكررة في سن صغيرة تعني مزيدًا من الأعباء على النظام الصحي في المستقبل، ومزيدًا من الإحباط تجاه ممارسة الرياضة، وفقدان مواهب كان يمكن أن تتحول إلى أبطال إذا توفرت لهم بيئة آمنة.
من «موت بالصدفة» إلى منظومة أمان ملزِمة
التجارب الدولية تطرح مجموعة من الخطوات الواضحة التي يمكن أن تقلل جذريًا من إصابات الرياضيين، خاصة الأطفال:
نظام وطني لرصد إصابات الرياضة، اشتراطات واضحة وملزِمة للسلامة في البطولات والصالات وحمامات السباحة، وجود أجهزة صدمات قلبية وتدريب إلزامي للكوادر على استخدامها، كروت صحية رياضية للأطفال تشمل فحصًا دوريًا، وتقسيم زمني إنساني للبطولات يمنع تكديس مئات المباريات في يوم واحد بما يرهق الأطفال والحكام والأطباء معًا.
الأهَم من كل ذلك هو الاعتراف بأن صناعة البطل لا تبدأ من المنصات العالمية، بل من أول بطولة منطقة أو سباق مدرسة، وأن الطفل الذي يقضي يومه على أرض صالة مزدحمة أو مدرج مكسور لن يحتفظ بصورة جميلة عن الرياضة في ذاكرته، حتى لو عاد في المساء بميدالية حول رقبته.
قصة يوسف لاعب السباحة يجب ألا تُنسى كخبر عابر، بل كجرس إنذار يدفعنا إلى سؤال جوهري:
هل نريد رياضة تربي الأجساد والعقول، أم منظومة تنافس عشوائي تترك أطفالنا وحدهم في مواجهة الخطر؟
ما لم تُترجَم الإجابة إلى لوائح مُلزِمة ورقابة جادة واستثمار في السلامة لا يقل عن الاستثمار في الميداليات، ستظل الملاعب والصالات وحمامات السباحة في كثير من الحالات «ملاعب بلا أمان»… والرياضة مغامرة أكبر مما ينبغي على كتف طفل صغير.



