41 مليون وفاة سنويًا بسبب الأمراض المزمنة
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأمراض غير السارية (المزمنة) وعلى رأسها أمراض القلب والضغط والسرطان والسكري وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة أصبحت اليوم المسبب الأكبر للوفاة عالميًا؛ إذ تُسهم في نحو 74% من مجمل الوفيات بما يعادل نحو 41 مليون وفاة سنويًا. وتلفت المنظمة إلى أن العبء الأكبر يقع على الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، ما يستدعي تحركًا سريعًا في الوقاية والكشف المبكر وتمويل الخدمات الأساسية.

الصورة العالمية: تقدّم الامراض المزمنة وتراجع المُعديه
بعد عقود كان خلالها التركيز منصبًا على مكافحة الأمراض المعدية، تُظهر تقارير المنظمة أن الكفة باتت تميل بقوة لصالح الأمراض المزمنة؛ ليس فقط في الوفيات، بل في الإعاقة وفقد الإنتاجية وكلفة الرعاية. ورصد تقرير تقدّم 2025 للأمراض غير السارية تباطؤًا في تنفيذ التعهدات الأممية والوطنية، ما يضع العالم “خارج المسار” نحو خفض الوفيات المبكرة بحلول 2030 إذا لم تُعزَّز السياسات والاستثمارات سريعًا.
وفي إقليم شرق المتوسط، تشير بيانات المكتب الإقليمي لمنظمة الصحه العالمية إلى تصاعد مستمر في عبء الأمراض غير السارية مع نسب مرتفعه من الوفيات الناجمه عن امراض القلب والرئة والسكري، مما يتطلبت تحسين نظم الوقاية والعلاج وتمويل خدمات الرعاية الأولية والفحوص الدورية،

لماذا يتسارع العبء؟
تضع منظمة الصحة العالمية عدة عوامل تقف خلف انتشار الامراض المزمنة منها ، التدخين، النظم الغذائية غير الصحية (السكر/الملح/الدهون المتحوّلة)، قلة النشاط البدني، وتعاطي الكحول. والشيخوخة وتزايد السمنة، تتعقّد الصورة أكثر، وقد رأينا خلال جائحة كورونا كيف تضاعف التداخل بين الامراض المعديه و الامراض المزمنه؛ إذ رفعت الأمراض المزمنة ومضاعفات “كوفيد-19”، ورفعت حالات الوفيات والحالات التي احتاجت الى عناية مركزه، كما كشفت ثغرات في النُظم الصحية.
من “100 مليون صحة” إلى خريطة مخاطر أوضح
أطلقت مصر عام 2018 واحدة من أوسع حملات الفحص على مستوى العالم: “100 مليون صحة” للكشف عن التهاب الكبد C وعوامل خطورة الأمراض غير السارية (ضغط الدم، سكر، سمنة)، مع ربط الحالات بخدمات المتابعة والعلاج. وقد وثّقت منظمة الصحة العالمية التجربة بالتفصيل، باعتبارها نموذجًا جماهيريًا للفحص المبكر” وبنى قاعدة بيانات وطنية وخريطة صحيه،
وتشير ملفات المنظمة الفنية إلى أن ارتفاع ضغط الدم يظل تحديًا محورياً يتطلب توسيع برامج التشخيص والعلاج المعياري، فيما تُظهر أحدث تقديرات الاتحاد الدولي للسكري (IDF) أن مصر من الدول ذات العبء المرتفع، مع تزايد أعداد المصابين والمتعايشين دون تشخيص كافٍ، ما يعزّز الحاجة لتعزيز الوقاية المجتمعية والمتابعة المنتظمة.

سياسة وصحة واقتصاد: أين تكمن الأولويات؟
على الصعيد الدولي، تُظهر المناقشات الأممية الأخيرة أن زخم الالتزامات السياسية تجاه الأمراض غير السارية ما يزال متباينًا، مع مطالبات بتشديد الإجراءات الفعّالة (مثل ضرائب التبغ/السكر، ووضع بطاقات تغذية واضحة، وتقييد الدهون المتحوّلة) وتوسيع التمويل للرعاية الأولية والأدوية الأساسية والفحوص. وتجمع الرسالة العالمية اليوم على أن الاستثمار في الوقاية هو الأكثر جدوى اقتصاديًا ويقلل الكلفة الصحية المستقبلية.
ما الفرق بين الأمراض السارية وغير السارية؟
توضح منظمة الصحة العالمية أن الأمراض غير السارية، أو المزمنة، هي تلك التي لا تنتقل بالعدوى من شخص إلى آخر، لكنها تنشأ نتيجة عوامل مثل التغذية غير الصحية، قلة النشاط البدني، التدخين، والعوامل الوراثية.
وتشمل هذه الفئة أمراض القلب والسرطان والسكري وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، وهي مسؤولة عن أكثر من ثلاثة أرباع الوفيات عالميًا.
أما الأمراض السارية ، مثل الأنفلونزا، كوفيد-19، الإيدز، والسل ، فهي ناتجة عن عدوى تنتقل بين البشر أو من الحيوان إلى الإنسان.
ويشير خبراء الصحة إلى أن السيطرة على الأولى تحتاج سياسات وقائية وسلوكية، بينما السيطرة على الثانية تعتمد على اللقاحات والمكافحة الوبائية.
وأخيرا، تحذير منظمة الصحة العالمية ،من ان العالم يتّجه إلى مزيد من الوفيات والإعاقات إذا لم تُسرَّع جهود الوقاية والكشف المبكر والإتاحة العادلة للعلاج. وبالنسبة لمصر، فإن الإرث الذي صنعته “100 مليون صحة” يمنحنا نقطة انطلاق قوية — بشرط البناء عليه بسياسات دائمة التمويل، ورقمنة المتابعة، وتمكين الرعاية الأولية؛ فهكذا فقط نُغيّر مسار الأمراض المزمنة قبل أن تغيّر هي مسار حياتنا.



