الدكتور نبيل عبد المقصود، أستاذ علاج السموم والإدمان بكلية طب قصر العيني،
يؤضح لنا في الحوار التالي لماذا توصف المخدرات التخليقية بأنها الأخطر حاليًا؟
الدكتور نبيل عبد المقصود:
لأننا نتعامل مع مواد مجهولة التركيب. المخدرات التخليقية مثل الاستروكس والفودو والشابو لا تُزرع ولا تُستخلص طبيعيًا، بل تُخلط من كيماويات صناعية، بعضها مبيدات حشرية ومذيبات ومواد تُستخدم أصلًا في الصناعة. الخطر الحقيقي أن كل “جرعة” تختلف عن الأخرى، فلا يوجد تركيز ثابت ولا أمان، وقد تكون الجرعة الأولى كافية لإحداث هلاوس حادة أو توقف في وظائف المخ.
س: تحدثتم في أكثر من مناسبة عن أرقام مقلقة داخل المستشفيات… ما حجم الظاهرة فعليًا؟
ج: بحسب ما نراه يوميًا في أقسام الطوارئ وعلاج الإدمان، نحو 50% من الحالات المترددة حاليًا هم ضحايا مخدرات تخليقية. هذه نسبة غير مسبوقة، في السابق كان المشهد يسيطر عليه الحشيش والهيروين، أما الآن فالمخدر الصناعي أصبح اللاعب الرئيسي، خاصة بين الفئات العمرية الأصغر.
س: ما أكثر المشاهد التي تتكرر مع هذه الحالات داخل المستشفى؟
ج: مشاهد قاسية جدًا. نستقبل شبابًا في العشرينات في حالات هياج شديد، هلاوس سمعية وبصرية، عدوانية غير مبررة، فقدان ذاكرة، وأحيانًا غيبوبة. بعضهم يصل بعد جرعة واحدة فقط. الأخطر أن بعض الحالات لا تعود لوضعها الطبيعي مرة أخرى، وتترك آثارًا نفسية أو عقلية دائمة.
س: لماذا تنتشر هذه المواد بهذه السرعة بين الشباب والفتيات؟
الدكتور نبيل: لعدة أسباب مجتمعة منها، السعر الرخيص مقارنة بالمخدرات التقليدية، والجرعة ممكن مشاركتها مع عدد مما يسهل الحصول عليها مادياً، بالاضافة الي سهولة الحصول عليها، ووجود وهم خطير بأنها “أقل خطورة”، وتُقدَّم على أنها وسيلة للهروب أو التجربة، وللأسف هذا الوهم يدمّر حياتهم خلال شهور قليلة.
ويكمل الدكتور نبيل قائلاً:
وهذة قضية صحية واجتماعية واقتصادية وأمنية في آن واحد. المخدرات التخليقية تستنزف موارد الدولة في الطوارئ والعلاج، وتدمّر أسرًا كاملة، وتغذي اقتصادًا أسود لا يخضع لأي رقابة. كل حالة علاج طارئة تعني تكلفة طبية ونفسية باهظة، ليس فقط على المريض، بل على المجتمع ككل.
س: ما دور الأسرة في الاكتشاف المبكر؟
ج: دور محوري. أي تغيّر مفاجئ في السلوك، الانعزال، العصبية الزائدة، اضطراب النوم، أو كلام غير مترابط، يجب ألا يُستهان به. الاكتشاف المبكر قد ينقذ حياة كاملة. للأسف بعض الأسر تتأخر خوفًا من الوصمة، وهذا التأخير قد يكون قاتلًا.
س: إلى أين يتجه الأهل إذا شكّوا في حالة إدمان؟
ج: يجب التوجه فورًا إلى مراكز علاج معتمدة أو أطباء متخصصين معروفين، أو الاستعانة بالجهات الرسمية. لدينا في مصر خدمات علاج إدمان مجانية وسرية، وهذا أمر مهم جدًا. اللجوء لمراكز غير مرخصة قد يضاعف الكارثة بدل حلها.
س: كيف تقيّمون جهود الدولة في المواجهة؟
ج: هناك تحرك واضح، سواء على مستوى الضبطيات أو التوسع في مراكز العلاج والتأهيل. صندوق مكافحة وعلاج الإدمان يقدم نموذجًا محترمًا في العلاج والمتابعة، وتم افتتاح مراكز جديدة في محافظات مختلفة لتخفيف الضغط. لكن حجم الظاهرة يتطلب توسعًا أكبر في الوقاية والتوعية، خاصة في المدارس والجامعات.
سؤال أخير: ما رسالتك للمجتمع؟
الدكتور نبيل:
المخدرات التخليقية قنبلة موقوتة. لا نتحدث عن انحراف سلوكي عابر، بل عن سموم صناعية تهدد جيلًا كاملًا. المواجهة الحقيقية تبدأ من الوعي، وعودة دور الأسرة، وتكامل الجهود الطبية والأمنية والتوعوية. المدمن مريض، وإنقاذه مسؤولية مجتمع كامل.
واخيراً: من الاستروكس إلى الشابو، لم تعد المعركة ضد الإدمان معركة فردية، بل اختبارًا لقدرة المجتمع والدولة على حماية العقول قبل الأجساد. فكل جرعة تخليقية لا تهدد متعاطيها فقط، بل تنذر بخسارة مستقبل كان يمكن إنقاذه.



