من السجائر إلى الفيب: وباء جديد يهدد جيلًا كاملًا

من السجائر إلى الفيب: وباء جديد يهدد جيلًا كاملًا

تقرير: مها أحمد

لم يعد التدخين التقليدي هو الخطر الأكبر على صحة المصريين. فخلال السنوات الأخيرة، تسلّل الفيب والسجائر الإلكترونية إلى يد المراهقين والأطفال قبل الكبار، مدفوعًا بتسويق ذكي ونكهات مُغرية وصورة زائفة عن كونه «أقل ضررًا». والنتيجة كانت موجة غير مسبوقة من أمراض الرئة والربو والسدة الرئوية بين فئات عمرية لم تكن تُصنّف يومًا ضمن «الفئات الخطرة». وفي مواجهة هذا الوباء الصامت، كشفت وزارة الصحة أن أكثر من 60 ألف مواطن لجأوا خلال أقل من عامين إلى عيادات «صحة الرئة والإقلاع عن التدخين» طلبًا للمساعدة، بينهم مراهقون صدمت الأطباء حالتهم الصدرية المتدهورة

حيث أعلنت وزارة الصحة والسكان أن مبادرة أنها  قدّمت خدماتها لأكثر من 60 ألف مواطن عبر 32 عيادة متخصصة منذ إطلاقها عام 2022.

ورغم أن الهدف هو دعم الإقلاع، فإن البيانات تكشف واقعًا مقلقًا: 56% من المترددين كانوا من المدخنين النشطين، والكثير منهم يعاني بالفعل من أعراض أمراض صدرية مزمنة.

الدكتور وجدي أمين، مدير إدارة الأمراض الصدرية، يؤكد أن نسبة المدخنين بين مرضى السدة الرئوية والربو الشعبي “مرتفعة بشكل لافت”، وهو ما يعكس حجم العبء الذي يفرضه التدخين على المنظومة الصحية.

لكن خلف هذه الأرقام الرسمية، توجد قضية أكبر وأكثر خطرًا…

قضية تتعلق بانتشار “وباء جديد”: التدخين الإلكتروني بين المراهقين والأطفال، وما يحمله من أمراض لا تقل خطورة عن السجائر التقليدية.

فوفق تقديرات دراسات عالمية ومحلية، ارتفع استخدام الفيب بين المراهقين المصريين بنحو 300% خلال ثلاث سنوات فقط، بينما باتت عيادات الصدر تستقبل أطفالًا بعمر 12 و13 عامًا يعانون من التهابات رئوية حادة، ضيق تنفس، وسعال مزمن يرتبط أحيانًا بما يُعرف طبيًا بـ EVALI، وهي إصابات رئوية ناتجة عن استنشاق بخار الفيب.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نكهات الفيب — مثل العلكة والمانجو والفراولة — تُعد «بوابة تجذب الأطفال مباشرة نحو الإدمان»، فيما يؤكد مركز السيطرة على الأمراض الأميركي أن الفيب «لا يقل خطورة عن التدخين التقليدي، بل يضاعف احتمالات الإدمان المبكر ويؤثر على تطور الدماغ لدى المراهقين».

ومع ذلك، لا يزال كثيرون يعتقدون خطأً أن الفيب «آمن»، رغم أن الأبحاث الحديثة تكشف أن استنشاق بخاره يسبب:

         •      ضعف مناعة الرئة

         •      التهابات مزمنة

         •      زيادة خطر السدة الرئوية

         •      ارتفاع احتمال الجلطات والنوبات القلبية

ووفق دراسة نُشرت في Journal of Respiratory Health 2023 فإن تدخين الفيب يعرض الشباب لمستوى التهاب رئوي مشابه — وأحيانًا أشد — من السجائر التقليدية.

أما التدخين التقليدي، فالصورة معه أكثر وضوحًا وحدّة؛ فهو مسؤول — وفق منظمة الصحة العالمية — عن 8 ملايين وفاة سنويًا، وسبب مباشر لـ 85% من حالات سرطان الرئة، فضلًا عن أمراض القلب، السكتات، التهاب الشعب المزمن، والانسداد الرئوي.

ومع ذلك تستمر الظاهرة في الاتساع، ليس فقط بسبب الإدمان، ولكن أيضًا بسبب سهولة وصول الأطفال إلى الفيب وغياب الرقابة الصارمة على بيعه، إلى جانب الضغوط الاجتماعية والإعلانات المقنّعة على منصات التواصل.

وعلى الرغم من جهود مبادرة «صحة الرئة»، فإن حجم المشكلة تجاوز ما يمكن أن تعالجه المبادرات وحدها. فالأطباء يشددون على الحاجة إلى:

         •      تشريعات تُجرّم بيع الفيب للأطفال

         •      حملات توعية واسعة داخل المدارس والجامعات

         •      تدريب الطواقم الطبية على كشف مضاعفات الفيب المبكرة

         •      دعم خدمات الإقلاع عن التدخين نفسيًا ودوائيًا

         •      إشراك الأسرة في مواجهة الظاهرة قبل تفاقمها

فالصورة اليوم ليست مجرد «زيادة في عدد المدخنين»، بل انتشار وباء جديد بأدوات حديثة، يتسلل في صمت إلى صدور الأجيال الصغيرة، ويهدد بتحويل أمراض الرئة إلى العبء الصحي الأول في مصر خلال العقد القادم.

ومع أن 60 ألف مواطن فقط طرقوا أبواب عيادات الإقلاع خلال عامين، فإن عدد المدخنين والذين يستخدمون الفيب بالملايين، ما يعني أن الفجوة كبيرة… وأن التحدي يتطلب رؤية أعمق من مجرد علاج الآثار، بل مواجهة الجذور: الوعي، الرقابة، والتشريع.

وفي النهاية، تبدو الحقيقة واضحة:

الدخان تغيّر شكله… لكن الخطر لم يتغير. بل أصبح أقرب، وأصغر، وأكثر قدرة على الوصول إلى أطفالنا.

اقرأ أيضا فى بوابة مصر الصحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top