“نقطة نور “رحلة قهر فيروس سي..كيف حولت مصر الكابوس الصحي إلى معجزة عالمية؟

أحمد إمام رئيس التحرير يكتب :

في ثمانينيات القرن الماضي، كان المرض يتسلل في صمت ليفتك بأكباد المصريين، يُثقل الأجساد ويُطفئ الأمل داخل ملايين البيوت..كان فيروس «سي» شبحاً جاثماً، وإرثاً مؤلماً خلّفته عقود من حملات العلاج القديمة ضد البلهارسيا باستخدام الحقن الزجاجية المكررة غير المعقمة جيداً، حتى أصبحت مصر على رأس قائمة العالم في نسب الإصابة بهذه الكارثة الصحية.

كان الشارع المصري يتعايش مع حزن مكتوم يتردد بين أروقة المشافي ومنازل البسطاء؛ ففي كل بيت تقريباً حكاية أب يُصارع الإجهاد المزمن، أو أم تحاول إخفاء آلامها، أو شاب يحرم من طموحاته المستقبلية بسبب نتائج التحاليل الطبية ، لكن التاريخ لا يرحم المنتظرين؛ وفي لحظة فارقة من عمر الوطن، قررت الدولة ألا تكتفي بمراقبة الشبح وهو ينهك أبناءها ويستنزف طاقات جيل بعد جيل، بل أن تخوض ضده حرباً شاملة، وتصنع من قلب هذه المأساة التاريخية أكبر معجزة صحية في العصر الحديث.

مع إشراقة المبادرة الرئاسية «100 مليون صحة»، في عهد السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، تحولت الجمهورية بأكملها إلى ساحة مواجهة مفتوحة، واحتشد مئات الآلاف من الأطباء والممرضات والإداريين والفنيين في ملحمة إنسانية وتنظيمية لم تشهدها البلاد من قبل.. لم تكن المبادرة مجرد حملة طبية عابرة أو خفضاً مؤقتاً لقوائم الانتظار، بل كانت استنفارا وطنيا أدهش الدوائر الصحية حول العالم.

توقفت سيارات الفحص عند ناصية كل شارع، واحتلت الفرق الطبية القرى والنجوع والمساجد والمصانع ومحطات القطارات والنوادي والمؤسسات العامة والخاصة ، ونُظمت قواعد البيانات الإلكترونية الذكية لترصد بدقة كل من ينبض على هذه الأرض وتضمن عدم تسرب أي مريض من منظومة المتابعة ، وفي زمن قياسي أربك حسابات الخبراء، خضع أكثر من 63 مليون مواطن للفحص الميداني المجاني، وتلقى العلاج الكامل أكثر من 4 ملايين مصاب بنسب شفاء حاسمة تجاوزت 98%، لينخفض معدل انتشار الفيروس في مصر من نسبة مرعبة كانت تتجاوز 10% إلى أقل من 1%، وتسجل البلاد اسمها في التاريخ بأكبر مسح طبي ميداني عرفته البشرية.

لم تكن المعركة سهلة على الإطلاق؛ فقبل سنوات قليلة فقط من انطلاق الحملة، كان العلاج الأجنبي المحتكر يُباع بأسعار خيالية تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات للمريض الواحد، وهو ما كان يعني إفلاس ميزانيات دول بأكملها لو حاولت شراءه بنفس شروط الشركات الدولية الاحتكارية.

لكن الإرادة المصرية رفضت الخضوع لقواعد السوق وفرضت شروطها؛ حيث خاضت الدولة مفاوضات شرسة لنقل تكنولوجيا التصنيع المحلي، ونجحت في إنتاج أدوية الفيروسات ذات المفعول المباشر داخل المصانع الوطنية بكفاءة وجودة تضاهي المعايير العالمية.

وخلال أشهر قليلة، هبطت تكلفة العلاج للمريض من آلاف الدولارات إلى أقل من 50 دولاراً، ليُقدّم الدواء بالمجان وبكل كرامة لكل مواطن ومقيم على أرض مصر، وتنهار أسطورة احتكار العلاج أمام قوة الإرادة والتخطيط المتكامل.

ولم تقتصر هذه المعركة على جدران المستشفيات وأسرة المرضى وحدها، بل امتزجت بتغيير مجتمعي عميق تجسد في كسر حاجز الخوف والوصم الاجتماعي الذي كان يطارد المصابين لسنوات؛ إذ تحول الفحص الطبي من مصدر قلق وتوتر إلى مظاهرة حُب واعتزاز بالصحة العامة ومصدر أمان لكل عائلة.

اليوم، وبالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي للالتهاب الكبدي، لا تنظر منظمة الصحة العالمية إلى مصر باعتبارها متعافية من المرض فحسب، بل كأول دولة في العالم تنال الشارة الذهبية وتتحول من «البؤرة الأكثر تضرراً» إلى «الملهم الأول» على مستوى العالم.

اقرأ ايضًا: “نقطة نور “الطب الاستثماري في مصر.. بين طوق النجاة ومقصلة الفاتورة

لقد أصبحت التجربة المصرية نموذجا حيا يدرس في المحافل الدولية ويحتذي به في كبرى المجلات الطبية، بل وامتدت يد القاهرة بالخير لتنقل خبراتها وأدويتها وفرقها الطبية ومبادراتها إلى الأشقاء في القارة الأفريقية والإقليم للتعافي من الفيروس.

وأخيرا ..إنها قصة ملحمية تثبت للعالم أجمع أن الشعوب عندما تمتلك الرؤية والإرادة السياسية الصادقة، تستطيع أن تحيل الكوابيس التاريخية إلى إنجازات خالدة، وتكتب بنور الأمل تاريخا جديدا للصحة العامة البشرية.

بقلم / أحمد إمام
رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top