وفيات حديثي الولادة : الساعات الأولى التي تحسم الحياة

وفيات حديثي الولادة : الساعات الأولى التي تحسم الحياة

حين تبدأ الحياة… ثم تُختبر في أول أنفاسها

إعداد: عمر إمام

في وحدات الحضّانات، لا يُقاس الوقت بالساعات، بل بالفرص. يولد الطفل حيًا، يصرخ، ثم يدخل اختبارًا صامتًا مع نقص الأكسجين أو عدوى مبكرة أو تأخر تدخل كان يمكن أن يُنقذه. هنا، لا تكون وفيات حديثي الولادة مجرد أرقام، بل قصص حياة تتوقف قبل أن تبدأ، وأسئلة تتكرر حول ما إذا كان بالإمكان إنقاذها لو تغيّر شيء واحد فقط في سلسلة الرعاية.

من هذا المدخل الإنساني شديد القسوة، جاء تحرك وزارة الصحة والسكان لاعتماد خطة وطنية شاملة لتدريب الكوادر الصحية على رعاية حديثي الولادة بالتعاون مع منظمة يونيسف، باعتبارها أحد أخطر ملفات الصحة العامة وأكثرها إلحاحًا.

اقرأ ايضاً: وداعاً لكابوس RSV.. لقاح الأم الحامل ينهي وفيات الرضع والـ 100 ألف دولار تكلفة للرعاية المركزة

لماذا تُعد وفيات حديثي الولادة أخطر مؤشر صحي؟

توضح أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية أن وفيات حديثي الولادة، خلال أول 28 يومًا من العمر، تمثل نحو 47% من إجمالي وفيات الأطفال دون الخامسة عالميًا. الأخطر أن الغالبية العظمى من هذه الوفيات تحدث خلال الأسبوع الأول من الحياة، وتحديدًا في الساعات الأولى التي تُعد الأكثر هشاشة في عمر الإنسان.

في إقليم شرق المتوسط، لا يزال معدل التراجع في هذه الوفيات أبطأ من التقدم المُحقق في وفيات الأطفال الأكبر سنًا، لأن رعاية المولود الجديد لا تعتمد فقط على توافر سرير حضّانة، بل على مهارات دقيقة، وتجهيزات عالية الحساسية، وسرعة تنسيق بين مستويات الرعاية المختلفة.

مصر والأرقام التي لا تحتمل التجاهل

بحسب أحدث تقديرات مجموعة الأمم المتحدة لوفيات الأطفال (UN IGME) – تحديث 2024، يبلغ معدل وفيات حديثي الولادة في مصر نحو 10–11 وفاة لكل ألف مولود حي. ورغم التحسن مقارنة بالسنوات الماضية، لا تزال هذه الوفيات تمثل ما يقرب من نصف وفيات الأطفال دون الخامسة، ما يجعلها التحدي الحقيقي أمام أي تقدم مستدام في صحة الطفل.

وتشير البيانات إلى تفاوت جغرافي واضح، حيث ترتفع المخاطر في المحافظات الحدودية والمناطق الأكثر احتياجًا، نتيجة تداخل نقص الكوادر مع صعوبات الوصول للخدمات المتقدمة.

الدكتورة عبلة الألفي: “المشكلة ليست في عدد الحضّانات… بل في من يعمل داخلها”

في حديثها عن الخطة الوطنية الجديدة، تؤكد الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان، أن التعامل مع وفيات حديثي الولادة لا يمكن أن يقتصر على التوسع الكمي في الحضّانات، حيث أن الخبرة العملية أثبتت أن وجود جهاز دون تدريب حقيقي قد لا يُنقذ طفلًا واحدًا. ما نحتاجه هو رفع كفاءة من يقفون أمام هذه الأجهزة .

وتوضح أن الخطة تمتد للعام القادم، وتبدأ بتدريب المدربين في القاهرة والجيزة، قبل التوسع التدريجي في باقي المحافظات، مع توحيد بروتوكولات الرعاية وربط التدريب باحتياجات كل مستشفى على أرض الواقع، وليس وفق نماذج نظرية عامة.

تشخيص المشكلة قبل علاجها

وتضيف الالفي، أن أحد أهم عناصر الخطة هو إجراء دراسة ميدانية وطنية لرصد الأسباب الفعلية لوفيات حديثي الولادة داخل المستشفيات، قائلة:

“لا يمكن وضع حل فعّال دون معرفة أين نفقد الطفل تحديدًا: هل أثناء الولادة؟ أم في الساعات الأولى؟ أم خلال النقل؟ هذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق”.

النقل الطبي… اللحظة التي قد تنهي كل شيء

و تصف الدكتورة عبلة الألفي نقل المولود الجديد بأنه “أخطر نقطة في رحلة النجاة”، موضحة أن دقائق من نقص الأكسجين أثناء النقل قد تعني وفاة أو إعاقة عصبية دائمة.

وتؤكد أن الخطة الوطنية تشدد على توفير حضّانات متنقلة، وأجهزة تنفس صغيرة الحجم، وفرق مدرّبة خصيصًا للتعامل مع المواليد أثناء النقل، بما يتماشى مع تحذيرات منظمة الصحة العالمية التي تعتبر النقل غير الآمن سببًا خفيًا لكثير من الوفيات.

لماذا تُعد شراكة يونيسف عنصر أمان؟

توضح نائب وزير الصحة أن التعاون مع يونيسف لا يقتصر على الدعم الفني، بل يضمن الالتزام بمعايير دولية في التدريب والمتابعة، مع توفير أجهزة بضمان وصيانة طويلة الأمد، وهو ما يمنع تكرار سيناريو “أجهزة بلا تشغيل” الذي أرهق النظام الصحي في مراحل سابقة.

الوقاية تبدأ قبل الحضانة

تشدد الدكتورة عبلة الألفي على أن إنقاذ حديثي الولادة يبدأ من متابعة الحمل، وليس من داخل الحضانة فقط.

وتقول: “الرائدات الريفيات ومقدمو المشورة الأسرية هم خط الدفاع الأول لاكتشاف عوامل الخطورة مبكرًا، وتحويل الأم في التوقيت الصحيح قبل أن يصل الطفل في حالة حرجة”.

وتدعم ذلك دراسات دولية تؤكد أن الاستثمار في رعاية الأم والجنين يُخفض وفيات المواليد ويقلل الإعاقات طويلة الأمد، ويخفف العبء الاقتصادي على الدولة والأسر.

هل يكفي التدريب وحده؟

رغم أهمية الخطة، يبقى السؤال مطروحًا. الخبراء يرون أن التدريب يجب أن يصاحبة عدالة في  توزيع الكوادر، واستقرار الأطباء في المحافظات الطرفية، واستمرارية الإمدادات الطبية، ونظام تقييم يقيس الأثر الحقيقي على الأرض، لا عدد الدورات فقط.

الخلاصة: فرصة لإنقاذ أول أيام الحياة

وفيات حديثي الولادة ليست قدرًا، بل مرآة دقيقة لقوة النظام الصحي في أكثر لحظاته هشاشة.

الخطة الوطنية الجديدة، كما تصفها الدكتورة عبلة الألفي، تمثل فرصة حقيقية لتغيير هذا الواقع، إذا نُفذت برؤية متكاملة تربط بين التدريب والتجهيز، وبين الوقاية والعلاج، وبين المركز والأطراف.

في الساعات الأولى من الحياة، لا يملك الطفل رفاهية الانتظار…

والقرار الذي يُتخذ اليوم قد يكون الفارق بين حياة تبدأ، وحياة لا تكتمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top