الدكتور محمد علي باشا البقلي.. رائد الجراحة الحديثة وثاني مدير مصري للمدرسة الطبية
على مدار قرنين من الزمان، لم يكن قصر العيني مجرد مؤسسة تعليمية أو مستشفى جامعي، بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا أسهم في تشكيل ملامح الطب الحديث في مصر والمنطقة العربية، وتحول إلى أحد أبرز أدوات القوة الناعمة المصرية. وبين جدرانه تخرجت أجيال من الأطباء والعلماء الذين قادوا مسيرة الطب في الشرق الأوسط وأفريقيا، واحتضن قامات علمية وروادًا أسسوا مدارس طبية لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.
وفي سياق الاحتفاء بمرور 200 عام على تأسيس قصر العيني، تبرز سيرة الدكتور محمد علي باشا البقلي، أحد أبرز رواد الجراحة المصرية الحديثة، الذي ارتبط اسمه بتاريخ المدرسة الطبية طالبًا متفوقًا، ومبتعثًا ضمن أول بعثة طبية مصرية إلى أوروبا، ثم أستاذًا للجراحة، وناظرًا للمدرسة الطبية، قبل أن يخلد اسمه كأحد أهم بناة النهضة الطبية المصرية في القرن التاسع عشر.
اقرأ ايضًا: قصر العيني.. 200 عام من القوة الناعمة ومحرك النهضة الطبية في العالم
وُلد الدكتور محمد علي البقلي عام 1813 بقرية زاوية البقلي التابعة لمركز تلا بمحافظة المنوفية، وتلقى تعليمه الأولي في كُتّاب القرية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة وهو في التاسعة من عمره للدراسة بالأزهر الشريف. ومع تأسيس محمد علي باشا لمدرسة الطب بأبي زعبل عام 1828، كان البقلي ضمن الدفعة الأولى التي ضمت مائة طالب، تلقوا دراسة الطب باللغة العربية إلى جانب تعلم اللغة الفرنسية، ليصبح لاحقًا أحد أبرز الوجوه التي صنعت تاريخ الطب المصري الحديث.
ولم يمر وقت طويل حتى لفت البقلي الأنظار بتفوقه العلمي، فاختير ضمن أعضاء أول بعثة طبية مصرية إلى فرنسا، والتي ضمت اثني عشر طالبًا فقط. وفي نوفمبر عام 1833، خضع أعضاء البعثة لاختبارات علمية أمام كبار أساتذة كلية الطب في باريس، وحققوا نجاحًا استثنائيًا أثار إعجاب الأوساط العلمية الفرنسية، حتى إن الجراح الفرنسي الشهير ديابترين أشاد بهم، معتبرًا أنهم سيعيدون لمصر أمجاد مدرسة الإسكندرية الطبية القديمة.
وبعد نحو تسع سنوات من الدراسة والتدريب في أوروبا، عاد البقلي إلى مصر حاملًا مشروعًا علميًا متكاملًا، ليشارك في بناء النهضة الطبية الحديثة من خلال التدريس والتأليف والترجمة وممارسة الجراحة وتنظيم التعليم الطبي. وسرعان ما أصبح أستاذًا للجراحة بمدرسة الطب، وذاعت شهرته ليس فقط في مصر، بل امتدت إلى بلاد الشام واليونان والأستانة، فيما تتلمذ على يديه مئات الأطباء الذين أصبحوا لاحقًا من رواد الطب المصري



