د. محمد عز الدين: الذكاء الاصطناعي يغيّر مستقبل الحقن المجهري

بعد مشاركته في مؤتمر ESHRE.. يحذر من تراجع خصوبة الفتيات ويكشف مفاهيم جديدة لعلاج تأخر الإنجاب

لم يعد تأخر الإنجاب قضية تخص الأزواج فقط، بل أصبح أحد أهم التحديات الصحية التي تشغل العالم، في ظل التطورات المتلاحقة في تقنيات الإخصاب المساعد، والذكاء الاصطناعي، والفحوصات الوراثية، والحفاظ على الخصوبة.

وخلال الأيام الماضية، عاد الدكتور محمد عز الدين، استشاري أمراض النساء والتوليد والحقن المجهري، من العاصمة البريطانية لندن، بعد مشاركته في فعاليات مؤتمر الجمعية الأوروبية للتكاثر البشري وعلوم الأجنة (ESHRE)، الذي يُعد أكبر وأهم مؤتمر عالمي متخصص في علاج تأخر الإنجاب والخصوبة.

وفي هذا الحوار مع بوابة مصر الصحية، يستعرض أحدث ما توصل إليه العلم في مجال الحقن المجهري، ويكشف حقيقة تغيير مفهوم تكيس المبايض عالميًا، ودور الذكاء الاصطناعي في رفع نسب النجاح، ويحذر من تراجع خصوبة الفتيات في سن مبكرة، كما يجيب عن أبرز الأسئلة التي تشغل ملايين الأسر.

أحدث توصيات مؤتمر ESHRE.. الذكاء الاصطناعي وتغيير مفهوم تكيس المبايض يتصدران المشهد

  • بداية.. ما أبرز الرسائل التي خرج بها مؤتمر ESHRE هذا العام؟

د. محمد عز الدين: يُعد مؤتمر الجمعية الأوروبية للتكاثر البشري وعلوم الأجنة (ESHRE) المرجع العلمي الأكبر عالميًا في مجال علاج تأخر الإنجاب والخصوبة، ويشارك فيه آلاف الأطباء والباحثين من مختلف دول العالم لمناقشة أحدث الدراسات والتوصيات العلمية.

وشهد مؤتمر هذا العام مناقشات موسعة حول ملفات بالغة الأهمية، في مقدمتها استخدامات الذكاء الاصطناعي في الحقن المجهري، وتقنيات الحفاظ على الخصوبة، والفحوصات الوراثية للأجنة، إلى جانب تطورات علمية مهمة في فهم متلازمة تكيس المبايض، والتي لم يعد ينظر إليها باعتبارها مجرد مشكلة تصيب المبيض، وإنما اضطرابًا هرمونيًا واستقلابيًا يؤثر في الجسم بأكمله.

لماذا تغير اسم تكيس المبايض؟

  • أثار المؤتمر اهتمامًا واسعًا بعد الإعلان عن تغيير مفهوم تكيس المبايض.. ماذا حدث؟

د.محمد: هذه بالفعل واحدة من أهم الرسائل العلمية التي خرج بها المؤتمر.

فعلى مدار سنوات طويلة كان المرض يُعرف باسم متلازمة تكيس المبايض (PCOS)، وهو اسم تسبب في كثير من المفاهيم الخاطئة، لأن كثيرًا من السيدات كن يعتقدن أن المشكلة تقتصر على وجود أكياس فوق المبيض، بينما الحقيقة العلمية مختلفة تمامًا.

ولهذا اتجهت الأوساط العلمية إلى اعتماد مصطلح جديد هو PMOS، ليعكس بصورة أدق أن الحالة عبارة عن اضطراب هرموني واستقلابي معقد، لا يقتصر تأثيره على المبيض فقط، وإنما يمتد إلى أجهزة متعددة داخل الجسم، وقد يؤثر في الوزن، والجلد، والخصوبة، والتمثيل الغذائي، والصحة النفسية.

تكيس المبايض ليس حكمًا بعدم الإنجاب

  • إذن.. هل تكيس المبايض مرض يمكن الشفاء منه؟

دائمًا أقول للمريضة: لا تنظري إلى تكيس المبايض باعتباره حكمًا يمنعك من الإنجاب.

فالتكيس في الأساس حالة هرمونية مزمنة، وليس مرضًا يُشفى منه نهائيًا، وما نعالجه هو النتائج التي يسببها.

فإذا تسبب في اضطراب التبويض، نعالج اضطراب التبويض، وإذا أدى إلى زيادة الشعر أو حب الشباب أو عدم انتظام الدورة الشهرية، فلكل عرض وسيلة علاج مناسبة.

ولهذا نجد أن كثيرًا من السيدات المصابات بتكيس المبايض يحملن بصورة طبيعية، أو بعد علاج بسيط يساعد على انتظام التبويض، بينما تختلف درجة تأثير الحالة من سيدة إلى أخرى.

3 علامات لا يجب تجاهلها

  • متى يجب أن تراجع الفتاة الطبيب؟

هناك ثلاث علامات رئيسية تستوجب عدم التأخير في استشارة الطبيب:

* عدم انتظام الدورة الشهرية.

* زيادة نمو الشعر في أماكن غير معتادة.

* استمرار ظهور حب الشباب بعد سن المراهقة.

وقد يصاحب ذلك زيادة الوزن أو مقاومة الإنسولين.

وكلما جرى التشخيص مبكرًا، زادت فرص السيطرة على الحالة والحفاظ على الخصوبة وتقليل المضاعفات مستقبلًا.

“الذكاء الاصطناعي يعيد رسم مستقبل الحقن المجهري.. وتراجع خصوبة الفتيات في العشرينيات يدق ناقوس الخطر”

الذكاء الاصطناعي يقتحم معامل الحقن المجهري.. هل يرفع نسب النجاح؟

  • بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا في معظم التخصصات الطبية.. كيف تستفيد منه تقنيات الحقن المجهري؟

الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مستقبلية، بل أصبح جزءًا من الممارسة اليومية داخل مراكز الحقن المجهري المتقدمة، وقد كان من أبرز المحاور التي ناقشها مؤتمر الجمعية الأوروبية للتكاثر البشري وعلوم الأجنة (ESHRE) هذا العام.

واليوم أصبح الذكاء الاصطناعي يساعد الطبيب في أكثر من مرحلة، بداية من متابعة التبويض بأجهزة السونار الحديثة، مرورًا بتقييم جودة البويضات والحيوانات المنوية، وحتى اختيار أفضل الأجنة المرشحة للنقل.

ومن أهم التطبيقات الحديثة ما يعرف بالحضانات الذكية (Time-Lapse Incubators)، التي تتابع نمو الأجنة على مدار الساعة دون الحاجة إلى إخراجها من بيئتها، فتلتقط آلاف الصور أثناء انقسام الجنين، ثم تحللها باستخدام قواعد بيانات ضخمة، لتساعد الطبيب في اختيار الجنين الأكثر قدرة على الاستمرار وحدوث الحمل.

ورغم هذا التطور الكبير، فإن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل الطبيب، وإنما يمثل أداة دقيقة تدعم القرار الطبي وترفع كفاءة اختيار الأجنة وتحسن نسب النجاح.

تراجع خصوبة الفتيات في العشرينيات.. ظاهرة تستحق التوقف

  • حذرت من انخفاض مخزون البويضات لدى فتيات صغيرات السن.. ما الأسباب؟

د. محمد : للأسف، ما نلاحظه خلال السنوات الأخيرة يدعو إلى القلق، إذ أصبحت بعض الفتيات في العشرينيات يعانين انخفاضًا في مخزون البويضات بصورة لم تكن شائعة من قبل، بل إننا نصادف أحيانًا سيدات في الأربعينيات يتمتعن بمخزون أفضل من فتيات أصغر سنًا.

ولا يعود ذلك إلى سبب واحد، وإنما إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها نمط الحياة غير الصحي، والاعتماد على الوجبات السريعة، وقلة النشاط البدني، والسمنة، واضطرابات النوم، والتوتر المزمن، وكلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في التوازن الهرموني وصحة المبيض.

ولهذا أصبحت جودة الحياة نفسها جزءًا من علاج الخصوبة، وليست مجرد نصائح عامة.

هل تحتاج كل فتاة لتحليل مخزون المبيض؟

  • هل تنصح بإجراء تحليل AMH في سن مبكرة؟

تحليل مخزون المبيض (AMH) يعد من الفحوص المهمة، لكنه ليس تحليلًا روتينيًا لكل فتاة.

أنصح بإجرائه إذا كان هناك تاريخ عائلي لانخفاض الخصوبة أو انقطاع الطمث المبكر، أو إذا كانت الفتاة تعاني اضطرابات واضحة في الدورة الشهرية، أو لديها أمراض قد تؤثر في وظيفة المبيض، أو إذا كانت تخطط لتأجيل الحمل لسنوات طويلة.

أما إجراء التحليل بصورة عشوائية لجميع الفتيات، فلا يزال قرارًا يحدده الطبيب وفقًا لكل حالة.

تجميد البويضات.. متى يصبح قرارًا طبيًا وليس رفاهية؟

  • هل أصبحت تقنية تجميد البويضات أكثر نجاحًا؟

بلا شك، تقنيات التجميد السريع (Vitrification) أحدثت طفرة حقيقية في الحفاظ على البويضات، ورفعت نسب بقائها سليمة بعد إذابتها إلى مستويات تضاهي المراكز العالمية.

وتفيد هذه التقنية بصورة خاصة في السيدات اللاتي يؤجلن الزواج أو الإنجاب، أو المصابات ببطانة الرحم المهاجرة، أو اللاتي سيخضعن لعلاج كيماوي أو إشعاعي قد يؤثر في الخصوبة.

والأهم أن يتم التجميد في السن المناسبة، لأن جودة البويضات ترتبط بعمر السيدة وقت سحبها، وليس وقت استخدامها لاحقًا.

الدكتور محمد عز الدين، استشاري أمراض النساء والتوليد والحقن المجهري

وللرجال أيضًا.. تجميد الحيوانات المنوية يحافظ على فرص الإنجاب

  • وهل تنصح الرجال بالتجميد أيضًا؟

د. محمد عز الدين: بالتأكيد ، فكما نحافظ على خصوبة المرأة، يمكن أيضًا الحفاظ على خصوبة الرجل.

فالشباب المقبلون على علاج الأورام، أو من يعانون أمراضًا قد تؤثر في إنتاج الحيوانات المنوية، أو حتى من يعملون في بيئات قد تعرضهم لمواد ضارة، قد يكون تجميد الحيوانات المنوية خطوة مهمة للحفاظ على فرص الإنجاب مستقبلًا.

بطانة الرحم المهاجرة.. التشخيص أصبح أكثر دقة

  • ماذا عن أحدث وسائل تشخيص بطانة الرحم المهاجرة؟

شهدت وسائل التشخيص تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال الأشعة المتخصصة أو الرنين المغناطيسي أو المؤشرات الحيوية التي لا تزال تخضع للدراسات العلمية.

ورغم هذا التطور، يظل المنظار الجراحي هو الوسيلة المرجعية لتأكيد التشخيص في بعض الحالات، بينما ساعدت التقنيات الحديثة في تقليل الحاجة إلى التدخل الجراحي لدى عدد كبير من المريضات.

الفحص الجيني للأجنة.. الهدف طفل سليم وليس اختيار النوع

  • هل أصبح تحديد نوع الجنين أمرًا سهلاً؟

الفحص الجيني للأجنة صُمم أساسًا للكشف عن الأمراض الوراثية والاضطرابات الكروموسومية قبل نقل الجنين إلى الرحم.

وخلال هذا الفحص يمكن التعرف على جنس الجنين، وبالتالي يصبح اختيار النوع ممكنًا في الحالات التي تسمح بها الضوابط الطبية والأخلاقية.

لكن يجب التأكيد أن الهدف الأساسي من الفحص ليس اختيار النوع، وإنما زيادة فرص إنجاب طفل سليم.

ما النسبة الحقيقية لنجاح الحقن المجهري؟

  • تنتشر أرقام متضاربة.. فما الحقيقة؟

د. محمد عز الدين: لا توجد في الطب نسبة نجاح تصل إلى 100%.

ونجاح الحقن المجهري يرتبط بعوامل كثيرة، أهمها عمر الزوجة، وجودة البويضات، وجودة الحيوانات المنوية، وسبب تأخر الإنجاب، وكفاءة المركز الطبي.

وفي المتوسط، تتراوح نسب النجاح عالميًا بين 40 و60% لكل محاولة، وقد تزيد أو تقل تبعًا لكل حالة على حدة.

الولادة الطبيعية هي الأصل.. والقيصرية عملية جراحية لها مضاعفات

  • لماذا ترتفع معدلات القيصرية في مصر؟

للأسف، أصبحت الولادة القيصرية في كثير من الأحيان الخيار الأسهل، رغم أنها في الأساس عملية جراحية كبرى، وليست بديلًا عن الولادة الطبيعية.

فالقيصرية قد ترتبط بمضاعفات مثل النزيف، والالتصاقات، وإصابات المثانة أو الأمعاء، كما تزيد احتمالات حدوث مشكلات في الأحمال التالية، وعلى رأسها المشيمة الملتصقة.

ولهذا يجب ألا تُجرى إلا عند وجود ضرورة طبية حقيقية، بينما تظل الولادة الطبيعية هي الخيار الأفضل متى كانت حالة الأم والجنين تسمح بذلك.

حقن البلازما للمبيض.. بين الأمل والدليل العلمي

  • ما رأيك في الترويج لحقن البلازما داخل المبيض؟

يجب أن نفرق بين الأبحاث العلمية والتطبيق الإكلينيكي.

حتى الآن لا توجد أدلة علمية قوية تجعل حقن البلازما داخل المبيض علاجًا معتمدًا لاستعادة الخصوبة، وما زالت هذه التقنية بحاجة إلى المزيد من الدراسات قبل اعتمادها بصورة رسمية.

ولذلك أنصح السيدات بعدم الانسياق وراء الدعاية التجارية، والاعتماد فقط على العلاجات التي أثبتت فعاليتها علميًا.

متى لا يكون الحقن المجهري هو الحل؟

  • هل هناك حالات لا يناسبها الحقن المجهري؟

د. محمد عز الدين: نعم، فلكل حالة تقييمها الخاص.

هناك حالات تقل فيها فرص النجاح بصورة كبيرة، مثل انعدام إنتاج الحيوانات المنوية مع غياب الخلايا المنتجة لها، أو الانخفاض الشديد جدًا في مخزون المبيض، أو التقدم الكبير في العمر، مع الأخذ في الاعتبار أن القرار النهائي يعتمد على التقييم الطبي الكامل وليس على العمر وحده.

رسالة أخيرة.. التكنولوجيا وحدها لا تكفي

  • ما الرسالة التي توجهها للأسر والشباب؟

د. محمد عز الدين: رغم التطور الهائل في تقنيات علاج تأخر الإنجاب، فإن الوقاية تظل دائمًا أفضل من العلاج.

الحفاظ على الوزن الطبيعي، وممارسة الرياضة، والنوم الجيد، والتغذية المتوازنة، والابتعاد عن التدخين، كلها عوامل أصبحت جزءًا أساسيًا من الحفاظ على الخصوبة لدى الرجال والنساء.

واختتم حديثه قائلاً:

“العلم يتقدم كل يوم، والذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جديدة في علاج تأخر الإنجاب، لكن لا توجد تقنية تستطيع أن تعوض نمط حياة غير صحي، ولذلك يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول للحفاظ على الصحة الإنجابية.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top