“نقطة نور “الطب الاستثماري في مصر.. بين طوق النجاة ومقصلة الفاتورة

بقلم : أحمد إمام

لم تعد قضية العلاج في مصر مجرد ملف خدمي، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا التصاقًا بحياة المواطن وأمنه الاجتماعي.. وفي قلب هذه المعادلة يقف القطاع الطبي الاستثماري، طرفا لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه في الوقت نفسه يثير كثيرًا من الجدل بسبب فاتورة العلاج التي باتت تشكل هاجسا يؤرق ملايين الأسر المصرية.

فالعلاقة بين القطاع الخاص والمنظومة الصحية في مصر باتت معادلة شديدة التعقيد، تتأرجح باستمرار بين سندان الحاجة الملحة إلى خدمات طبية عالية الجودة، ومطرقة التكاليف التي تجاوزت في كثير من الأحيان القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، فضلا عن محدودي الدخل.

ولا يمكن إنكار أن القطاع الطبي الخاص كان، ولا يزال، طوق نجاة حقيقيًا للدولة المصرية في محطات كثيرة ، فقد ساهم في تخفيف الضغط الهائل عن المستشفيات الحكومية، وضخ استثمارات بمليارات الجنيهات لإنشاء صروح طبية متطورة، واستقدم أحدث الأجهزة التشخيصية والعلاجية، وجذب كفاءات طبية رفيعة المستوى، فضلًا عن توفير مستوى من الرعاية الفندقية والخدمات التمريضية أصبح عنصرًا أساسيًا في رحلة العلاج الحديثة.

هذه الإنجازات جعلت من القطاع الخاص شريكا استراتيجيا في حماية الأمن الصحي القومي، ووجهة أولى للمرضى الباحثين عن سرعة التدخل الطبي، ودقة التشخيص، وجودة الخدمة.. لكن هذا الوجه المشرق يصطدم بوجه آخر أكثر قسوة، يتمثل في الارتفاع المتسارع لتكاليف العلاج، حتى أصبحت بعض الفواتير أشبه بحكم اقتصادي قاس على الأسرة المصرية.

ففاتورة ليلة واحدة داخل غرفة عناية مركزة قد تعادل دخل أسرة كاملة لعدة أشهر، بينما أصبحت تكلفة بعض العمليات الجراحية تستنزف مدخرات سنوات طويلة، أو تدفع كثيرين إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاتهم من أجل إنقاذ حياة عزيز عليهم.. وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل أصبحت الرعاية الصحية سلعة تخضع فقط لقواعد السوق، أم أنها حق أصيل يجب أن تظل له اعتبارات إنسانية واجتماعية؟

الإجابة ليست أحادية، بل تحمل وجهين متقابلين.

فالقطاع الاستثماري يرى أن ما يحدث ليس جشعًا بقدر ما هو انعكاس مباشر للواقع الاقتصادي؛ فالتضخم، وارتفاع أسعار المستلزمات الطبية المستوردة، وقفزات أسعار الدواء، وتكاليف صيانة الأجهزة المرتبطة بالعملة الأجنبية، فضلًا عن ارتفاع أجور الكفاءات الطبية النادرة، كلها عوامل دفعت تكلفة التشغيل إلى مستويات غير مسبوقة.

لكن المواطن ينظر إلى الصورة من زاوية مختلفة؛ إذ يرى أن غياب ضوابط واضحة للتسعير يجعل أسعار الخدمات الطبية تختلف بصورة كبيرة بين مستشفى وآخر، رغم تشابه الخدمة المقدمة، وهو ما يخلق شعورا بأن العلاج أصبح امتيازا لمن يملك القدرة المالية، لا حقًا مكفولًا لكل إنسان.

والحقيقة أن الأزمة لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في غياب معايير واضحة تفسر هذا التفاوت الكبير. فالمريض غالبا لا يعرف لماذا يدفع هذا الرقم، وما هي البنود التي تشكل قيمة الفاتورة، ولماذا تختلف تكلفة الإجراء الطبي ذاته من مؤسسة إلى أخرى بفوارق قد تصل إلى أضعاف السعر.. إن تعزيز الشفافية في تسعير الخدمات الطبية أصبح ضرورة لا تقل أهمية عن تحسين جودة الخدمة نفسها.

أما على مستوى التشريعات، فما تزال المنظومة تعاني غياب “فاتورة موحدة” أو إطار إلزامي لتسعير الخدمات الطبية داخل المستشفيات الخاصة. فالقوانين الحالية لا تفرض أسعارًا موحدة للعمليات أو الإقامة أو الخدمات العلاجية، وإنما تكتفي بإلزام المستشفى بإعلان قائمة أسعاره والالتزام بما هو معلن في الفاتورة، دون التدخل في تحديد القيمة نفسها.

هذا الفراغ التنظيمي يفتح الباب أمام تفاوتات سعرية واسعة، ويضع المواطن في مواجهة مباشرة مع السوق، دون وجود مظلة كافية توازن بين حق المستثمر في تحقيق عائد عادل، وحق المريض في الحصول على علاج بسعر منصف.

التأمين الصحي الشامل..والأمل المنشود

وربما تكون بارقة الأمل الحقيقية في التوسع المستمر بمنظومة التأمين الصحي الشامل، التي تمثل المشروع الوطني الأهم لإعادة ضبط العلاقة بين مقدم الخدمة ومتلقيها. فالمستشفيات الخاصة الراغبة في الانضمام إلى المنظومة تصبح مطالبة بالالتزام بحزم علاجية وأسعار متفق عليها مسبقا ، بما يحقق قدرا أكبر من العدالة والرقابة والشفافية، ويمنح المواطن حماية حقيقية من الفواتير المفاجئة.

ومن المهم أيضا تشجيع المنافسة العادلة بين المؤسسات الطبية، وربط الأسعار بمؤشرات جودة الخدمة ونتائج العلاج، حتى تصبح المنافسة قائمة على الكفاءة والتميز، لا على المبالغة في الأسعار أو استغلال حاجة المرضى. كما أن تعزيز دور الجمعيات الأهلية وصناديق التكافل الصحي يمكن أن يمثل خط دفاع إضافيًا لحماية الفئات الأكثر احتياجًا، خاصة في الحالات الحرجة والأمراض المزمنة.

وعند مقارنة التجربة المصرية بما يحدث في دول العالم، نجد أننا لسنا استثناء .. فالقطاع الطبي الخاص في معظم الدول يقوم على الاستثمار وتحقيق الأرباح مقابل تقديم خدمة عالية الجودة، خصوصًا في الاقتصادات الرأسمالية، حيث تشهد بعض الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فواتير علاجية باهظة أثارت جدلًا واسعًا على مدار سنوات.

غير أن الفارق الحقيقي لا يكمن في أسعار المستشفيات، بل في قوة شبكات الحماية الاجتماعية..ففي كثير من الدول المتقدمة، لا يواجه المريض فاتورة العلاج بمفرده، وإنما تتحملها شركات التأمين أو البرامج الحكومية التي تتفاوض مع المستشفيات وتضع سقوفا للأسعار، بما يضمن استمرار الاستثمار دون أن يتحول المرض إلى كارثة مالية للأسرة.

أما في مصر، فلا يزال هناك جزء كبير من الإنفاق الصحي يخرج مباشرة من جيوب المواطنين، وهو ما يجعل أي أزمة صحية تتحول سريعا إلى أزمة اقتصادية واجتماعية، خاصة مع تزايد معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

وأخيرًا… فإن القضية ليست صراعا بين الدولة والقطاع الخاص، ولا معركة ضد الاستثمار في الصحة، بل هي بحث عن نقطة توازن تحقق مصلحة الجميع.

فمصر تحتاج إلى استثمارات طبية قوية، كما تحتاج في الوقت ذاته إلى منظومة عادلة تحمي حق المواطن في العلاج الكريم.. فالاستثمار الحقيقي لا يقاس فقط بحجم الأبراج الطبية أو أحدث الأجهزة، وإنما أيضًا بقدرته على ترسيخ الثقة، وتحقيق العدالة، وصون كرامة الإنسان وهو يواجه أصعب لحظات حياته.

وعندما تنجح الدولة في الجمع بين جودة الخدمة، وعدالة التسعير، وشمول مظلة التأمين الصحي – وهو الذي تسعي إليه الدولة المصرية حاليا – ستتحول المستشفيات الاستثمارية من مصدر للقلق بسبب الفاتورة، إلى شريك كامل في بناء منظومة صحية عصرية تليق بالمواطن المصري.

بقلم : أحمد إمام

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top