وحيد دوس: كيف قضت مصر على فيروس سي وأصبحت نموذجًا عالميًا؟

أكد الدكتور وحيد دوس، أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي، ورئيس اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية، أن التجربة المصرية في القضاء على فيروس الالتهاب الكبدي «سي» لم تكن وليدة الصدفة، وإنما جاءت نتيجة رؤية استراتيجية، وإرادة سياسية قوية، وعمل علمي منظم استمر لما يقرب من عقدين، حتى أصبحت مصر نموذجًا عالميًا يحتذى به في مكافحة الأمراض الوبائية.

وأكد الدكتور وحيد دوس، ، إن رحلة القضاء على فيروس «سي» بدأت فعليًا عام 2006، عندما أنشأ الدكتور حاتم الجبلي، وزير الصحة الأسبق، اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية، والتي ضمت نخبة من أساتذة الجامعات المصرية وخبراء دوليين من فرنسا والولايات المتحدة، واضعةً أولى اللبنات في واحدة من أهم قصص النجاح الصحي في العالم.

وأوضح أن أول تكليف للجنة كان إجراء مسح ميداني دقيق لتحديد حجم المشكلة، مشيرًا إلى أن نتائج المسح الذي أُجري عام 2007 كشفت أن نحو 15% من المصريين البالغين كانوا مصابين بفيروس «سي»، وهي النسبة الأعلى عالميًا آنذاك، بما يعادل مصابًا واحدًا بين كل ستة بالغين.

وأضاف أن اللجنة أطلقت بعدها البرنامج القومي لعلاج فيروس «سي»، إلا أن الخيارات العلاجية في ذلك الوقت كانت تعتمد على عقار الإنترفيرون، الذي كان مرتفع التكلفة ومحدود الفاعلية، وهو ما جعل الحاجة ملحة لظهور علاج أكثر كفاءة.

اقرأ ايضًا: خاص | الدكتور محمد حساني لـ«بوابة مصر الصحية»: مبادرات رئاسية جديدة

وأشار إلى أن نقطة التحول الحقيقية جاءت مع ظهور عقار السوفوسبوفير عام 2013، موضحًا أن تكلفة علاج المريض الواحد في الولايات المتحدة بلغت نحو 90 ألف دولار، وهو رقم كان يستحيل تطبيقه في دولة تعاني أعلى معدلات الإصابة عالميًا.

وأوضح الدكتور وحيد دوس أن اللجنة القومية خاضت مفاوضات مكثفة مع الشركة المنتجة، انتهت بالحصول على العلاج بسعر 900 دولار للمريض الواحد، أي ما يعادل نحو 1% فقط من السعر الأمريكي، وهو ما اعتبره إنجازًا تفاوضيًا غير مسبوق.

وأضاف أن الإنجاز الأكبر لم يتوقف عند خفض سعر الدواء، بل امتد إلى توطين تصنيع العلاج داخل مصر خلال فترة وجيزة، بفضل جهود الدولة ووزارة الصحة آنذاك، وهو ما وفر استدامة العلاج وخفض تكلفته بصورة أكبر، وفتح الباب أمام علاج ملايين المرضى.

وأكد أن الدولة بدأت في سبتمبر 2014 تنفيذ أكبر برنامج علاجي لمرضى فيروس «سي»، مع إطلاق منظومة إلكترونية لتسجيل المرضى عبر الإنترنت، بما يضمن العدالة والشفافية في الحصول على العلاج، بعيدًا عن أي وساطة أو تمييز.

وقال إن الفترة من 2014 إلى 2017 شهدت علاج نحو 2.5 مليون مريض، بنسبة شفاء تجاوزت 98%، وهو ما مثل إنجازًا طبيًا غير مسبوق على المستوى العالمي.

وأضاف أن المرحلة التالية جاءت مع إطلاق المبادرة الرئاسية «100 مليون صحة»، التي استهدفت الكشف المبكر عن المواطنين غير المشخصين، حيث نجحت المبادرة في اكتشاف وعلاج نحو 2.5 مليون مريض إضافي، ليصل إجمالي من تلقوا العلاج إلى نحو 5 ملايين مواطن خلال الفترة من 2014 إلى 2019.

وأكد أن هذا النجاح التاريخي تُوج بحصول مصر على شهادة المستوى الذهبي من منظمة الصحة العالمية، لتصبح أول دولة في العالم تحقق المعايير المطلوبة للقضاء على فيروس الالتهاب الكبدي «سي» باعتباره تهديدًا للصحة العامة.

وأشار رئيس اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية إلى أن مراكز العلاج المنتشرة في مختلف المحافظات لم تعد تستقبل أعدادًا كبيرة من مرضى فيروس «سي»، بعدما نجحت الدولة في علاج الغالبية العظمى من المصابين، وهو ما يعكس حجم الإنجاز الذي تحقق.

وأوضح أن نجاح التجربة المصرية استند إلى عدة عوامل رئيسية، في مقدمتها الدعم الكامل من القيادة السياسية والدولة المصرية، وتوفير جميع خدمات الكشف والعلاج والفحوصات بالمجان، دون تحميل المرضى أي أعباء مالية.

وأضاف أن التدريب المستمر للكوادر الطبية، والانتشار الواسع لمراكز العلاج التي وصل عددها إلى نحو 170 مركزًا على مستوى الجمهورية، والتحديث الدائم للبروتوكولات العلاجية وفق أحدث المعايير العالمية، إلى جانب دعم المجتمع المدني والمؤسسات الدولية وشركاء التنمية، كانت جميعها عناصر أساسية في تحقيق هذا النجاح.

واختتم الدكتور وحيد دوس كلمته بتوجيه الشكر إلى جميع أعضاء اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية، وكل الفرق الطبية والإدارية التي شاركت في هذه الرحلة، مؤكدًا أن ما حققته مصر سيظل نموذجًا عالميًا يؤكد أن الإرادة السياسية، والعلم، والعمل المؤسسي، قادرة على تحويل أكبر التحديات الصحية إلى قصة نجاح تُدرّس على مستوى العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top