مقاومة المضادات الحيوية تهدد ملايين الأرواح.. كيف تبني مصر خط دفاع جديدًا حتى 2030؟

الرعاية الصحية: خفض استهلاك المضادات 32% خلال عام.. وأكثر من 500 دليل علاجي في 25 تخصصًا

لم تعد مقاومة مضادات الميكروبات مجرد مشكلة ترتبط بالإفراط في تناول المضادات الحيوية، بل تحولت إلى تحدٍ صحي عالمي تتداخل فيه صحة الإنسان والحيوان وسلامة الغذاء والبيئة، وسط تحذيرات من ارتفاع أعداد الوفيات المرتبطة بها خلال العقود المقبلة إذا لم تتغير أنماط استخدام الأدوية وتتعزز أنظمة الترصد والوقاية.

وفي مصر، تتجه الجهود إلى بناء نموذج أكثر تكاملًا لمواجهة الظاهرة، يعتمد على مفهوم «الصحة الواحدة»، الذي يتعامل مع صحة الإنسان والحيوان والبيئة باعتبارها منظومة مترابطة، بالتوازي مع ترشيد وصف المضادات الحيوية، وتوسيع برامج مكافحة العدوى، وتعزيز التشخيص الدقيق والرقابة على متبقيات الأدوية في الغذاء.

هذا الملف تصدر أعمال النسخة الرابعة من مؤتمر «مقاومة مضادات الميكروبات – الصحة الواحدة»، الذي أطلقته الهيئة العامة للرعاية الصحية تحت شعار «معًا.. مترابطون.. محميون»، بمشاركة قيادات صحية وخبراء وممثلين عن منظمات دولية وجهات معنية.

أرقام تكشف حجم الخطر

المؤتمر أعاد تسليط الضوء على أحد أخطر التحديات التي تواجه الأنظمة الصحية. وقال الدكتور أحمد السبكي، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية والمشرف العام على مشروع التأمين الصحي الشامل، إن مقاومة مضادات الميكروبات تتسبب في أكثر من 1.3 مليون وفاة مباشرة وأكثر من 5 ملايين وفاة مرتبطة بها بصورة غير مباشرة.

ومن جانبها، أشارت الدكتورة سادنا بهجوات، نائبًا عن ممثل منظمة الصحة العالمية، إلى نحو 5.8 مليون وفاة مرتبطة بمقاومة مضادات الميكروبات عالميًا، محذرة من إمكانية تسجيل 39 مليون وفاة خلال الفترة من 2025 إلى 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

وتكشف هذه الأرقام أن القضية تتجاوز مجرد فقدان دواء لفاعليته؛ فكلما ازدادت قدرة الميكروبات على مقاومة العلاجات المتاحة، أصبحت بعض العدوى أكثر صعوبة في العلاج، وازدادت المخاطر المرتبطة بالإجراءات الطبية التي تعتمد على وجود مضادات فعالة للسيطرة على العدوى.

اقرأ ايضًا: القاتل الصامت الذي نُربيه بأيدينا.. مقاومة المضادات الحيوية..الوباء القادم

500 دليل استرشادي.. ومحاولة لتغيير طريقة استخدام المضادات

أحد أبرز الأرقام التي أعلنتها هيئة الرعاية الصحية خلال المؤتمر هو إعداد وإطلاق أكثر من 500 دليل استرشادي تغطي أكثر من 25 تخصصًا طبيًا.

وبحسب الدكتور أحمد السبكي، تتحرك الهيئة في مواجهة مقاومة مضادات الميكروبات من خلال مجموعة من المحاور، في مقدمتها الترصد، وترشيد الاستخدام، وتطبيق الأدلة الاسترشادية، وتعزيز أنظمة متابعة المقاومة داخل المستشفيات.

والهدف هنا ليس مجرد خفض كمية المضادات المستخدمة، وإنما الوصول إلى استخدام أكثر دقة: اختيار الدواء المناسب، للمريض المناسب، بالجرعة والمدة المناسبتين، بناءً على التشخيص والبيانات الطبية كلما أمكن.

مقاومة المضادات الحيوية تهدد ملايين الأرواح.. كيف تبني مصر خط دفاع جديدًا حتى 2030؟

استهلاك المضادات.. وفر 32%

ويبرز تطور آخر في الأرقام التي أعلنتها الهيئة. إذ قال الدكتور هاني راشد، نائب رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية، إن برنامج الاستخدام الأمثل للمضادات الحيوية حقق وفرًا بنسبة 32% خلال العام الحالي، مقارنة بـ22% خلال العام الماضي.

وتستهدف الهيئة، وفق راشد، الوصول إلى نموذج مصري مستدام لمواجهة مقاومة مضادات الميكروبات بحلول عام 2030، يقوم على أربعة مرتكزات أساسية: التشخيص الدقيق، والصيدلة الإكلينيكية، والحوكمة، واستخدام البيانات.

ويعني ذلك أن معركة المضادات لا تبدأ عند الصيدلية فقط، وإنما منذ تشخيص العدوى وتحديد ما إذا كان المريض يحتاج أصلًا إلى مضاد للميكروبات، ثم اختيار العلاج ومتابعة استخدامه وقياس النتائج.

«الصحة الواحدة».. لماذا دخل الغذاء والحيوان إلى المعادلة؟

من أهم التحولات في التعامل مع مقاومة المضادات عالميًا الانتقال من النظر إليها باعتبارها مشكلة طبية بشرية فقط إلى مفهوم «الصحة الواحدة» One Health.

فالمضادات لا تستخدم في البشر وحدهم، وإنما تدخل كذلك في قطاعات مرتبطة بالحيوان والإنتاج الغذائي، بينما تستطيع الميكروبات المقاومة الانتقال عبر مسارات متعددة.

وهنا يأتي دور الهيئة القومية لسلامة الغذاء. فقد أعلن الدكتور طارق الهوبي، رئيس الهيئة، العمل على منظومة وطنية للرقابة على تداول المضادات الحيوية ورصد متبقياتها في الغذاء بالتعاون مع هيئة الدواء المصرية.

وأكد الهوبي الاتجاه إلى الانتقال من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الاستباقية والوقائية قبل وصول الغذاء إلى المستهلك، مشيرًا إلى أن المنظومة تستهدف حماية نحو 150 مليون مستهلك.

التشخيص قبل المضاد

ويضع هذا التوجه قضية التشخيص في قلب المواجهة. فالاستخدام غير الضروري للمضادات، أو اختيار مضاد غير مناسب، أو عدم الالتزام بالجرعات ومدد العلاج، كلها عوامل يمكن أن تسهم في زيادة الضغط الانتقائي الذي يساعد الميكروبات المقاومة على البقاء والانتشار.

ولهذا ناقش المؤتمر تقنيات الترصد والتشخيص السريع وإدارة العدوى، إلى جانب ملفات متخصصة مثل القدم السكري، باعتبار أن مواجهة المقاومة تحتاج إلى تدخلات متكاملة وليست مجرد قرارات دوائية منفردة.

من المستشفى إلى المجتمع

التحرك المصري الذي عرضته هيئة الرعاية الصحية يوضح كذلك أن المواجهة لا يمكن حصرها داخل وحدات مكافحة العدوى بالمستشفيات.

فنجاح الاستراتيجية يتطلب تضافر الأطباء والصيادلة الإكلينيكيين ومعامل الميكروبيولوجي وفرق مكافحة العدوى والجهات الرقابية، إلى جانب توعية المرضى بالاستخدام الصحيح للأدوية، وربط بيانات وصف واستهلاك المضادات بأنماط المقاومة التي تظهر داخل المنشآت الصحية.

ومن هنا يصبح قياس استهلاك المضادات ومتابعة أنماط المقاومة جزءًا أساسيًا من عملية اتخاذ القرار، وليس مجرد مؤشر إحصائي.

شراكات جديدة

وشهد المؤتمر توقيع بروتوكول تعاون بين هيئة الرعاية الصحية وشركة «ميدواي إيجيبت»، يستهدف دعم جودة رعاية الجروح وبناء قدرات الكوادر الصحية.

كما وقعت الهيئة مذكرة تفاهم مع شركة «شفاء» لتكنولوجيا المعلومات للتعاون في مجال التثقيف الدوائي وتعزيز الاستخدام الآمن والرشيد للأدوية.

وتأتي هذه الشراكات ضمن توجه أوسع لربط مكافحة مقاومة الميكروبات بالتدريب والتكنولوجيا والتوعية الدوائية والممارسات الإكلينيكية المبنية على الأدلة.

مقاومة المضادات الحيوية تهدد ملايين الأرواح.. كيف تبني مصر خط دفاع جديدًا حتى 2030؟

التحدي الحقيقي: تحويل الأرقام إلى نتائج مستدامة

ما أعلنته هيئة الرعاية الصحية من تحقيق وفر في استهلاك المضادات وإصدار مئات الأدلة الاسترشادية يمثل مؤشرات مهمة، لكن الاختبار الأهم خلال السنوات المقبلة سيكون في قدرة المنظومة على تحويل هذه الإجراءات إلى انخفاض مستدام في معدلات المقاومة والعدوى والوفيات والتكاليف الصحية.

فالهدف ليس تقليل استخدام المضادات الحيوية بصورة عشوائية؛ إذ تظل هذه الأدوية ضرورية ومنقذة للحياة عندما تكون هناك حاجة طبية إليها. وإنما المطلوب هو الاستخدام الرشيد والدقيق الذي يحافظ على فاعليتها لأطول فترة ممكنة.

ومن هنا تبدو معركة مقاومة مضادات الميكروبات أكبر من دواء يُصرف أو وصفة تُكتب؛ إنها معركة للحفاظ على قدرة الطب نفسه على علاج العدوى في المستقبل.

وإذا نجحت مصر في دمج الترصد والتشخيص والصيدلة الإكلينيكية ومكافحة العدوى وسلامة الغذاء والبيانات تحت مظلة «الصحة الواحدة»، فإن نموذج 2030 الذي تتحدث عنه هيئة الرعاية الصحية قد يتحول من استراتيجية لمواجهة أزمة دوائية إلى منظومة متكاملة لحماية الأمن الصحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top