«سباق المليارات على دواء المستقبل».. الذكاء الاصطناعي يقلب قواعد صناعة الأدوية عالميًا

تشهد صناعة الدواء العالمية تحولًا متسارعًا مع انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه أداة لتحليل البيانات داخل المختبرات إلى عنصر رئيسي في استراتيجيات البحث والتطوير لدى عدد من أكبر شركات الأدوية في العالم.

فالسباق لم يعد يدور فقط حول امتلاك مكتبات ضخمة من المركبات أو فرق بحثية كبيرة، وإنما أصبح يشمل القدرة على تحليل كميات هائلة من البيانات البيولوجية والجينية، والتنبؤ بالأهداف العلاجية، وتصميم جزيئات جديدة، واختيار المرشحات الواعدة للانتقال إلى الاختبارات المعملية وما قبل السريرية.

وتكشف سلسلة من الصفقات والشراكات التي أُعلن عنها خلال الفترة الأخيرة عن حجم الرهان الذي تضعه صناعة الدواء على هذه التكنولوجيا، وسط آمال بأن تساعد في اختصار بعض المراحل المبكرة من تطوير الأدوية وتقليل التجارب غير المجدية، لكن مع بقاء الاختبار الأصعب قائمًا: هل تستطيع الأدوية المكتشفة أو المصممة بمساعدة الذكاء الاصطناعي اجتياز التجارب السريرية وإثبات الأمان والفاعلية والوصول بالفعل إلى المرضى؟

اقرأ ايضًا: 500 مليار دولار تعيد رسم خريطة صناعة الدواء.. لماذا تتسابق شركات الأدوية العالمية على التصنيع في أمريكا؟

«ليلي» توسع رهانها على اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي

في مارس 2026، وسعت شركة «إيلي ليلي» تعاونها مع شركة «إنسيليكو ميديسين» المتخصصة في اكتشاف الأدوية باستخدام الذكاء الاصطناعي، في اتفاق قد تصل قيمته الإجمالية إلى نحو 2.75 مليار دولار.

وبحسب تفاصيل الاتفاق، تحصل «إنسيليكو» على 115 مليون دولار كدفعة مقدمة، بينما ترتبط بقية القيمة المحتملة بتحقيق مراحل محددة في البحث والتطوير والموافقات التنظيمية والنجاح التجاري للمنتجات.

ويمنح الاتفاق «ليلي» حقوقًا عالمية حصرية لتطوير وتصنيع وتسويق عدد من العلاجات الفموية التي طورتها «إنسيليكو»، في خطوة تعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من التجارب البحثية إلى شراكات مباشرة مع شركات الأدوية الكبرى.

«فايزر» توسع مختبرها المشترك مع «بوست إيرا»

ولم تكن «ليلي» وحدها في هذا السباق. ففي يناير 2025، أعلنت «فايزر» وشركة «بوست إيرا» توسيع تعاونهما في مجال اكتشاف الأدوية المدعوم بالذكاء الاصطناعي، لترتفع القيمة المحتملة للتعاون إلى 610 ملايين دولار.

وتستخدم الشراكة منصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تصميم وتطوير الجزيئات الدوائية، كما توسع التعاون ليشمل برامج للأجسام المضادة المقترنة بالأدوية.

وأعلنت «بوست إيرا» أن أحد البرامج التي عمل عليها المختبر المشترك تمكن من اجتياز إحدى المراحل العلمية أسرع من الجدول الزمني الذي كان متوقعًا في البداية، في مؤشر على الإمكانات التي تراهن عليها الشركات لاختصار الوقت في المراحل الأولى من البحث الدوائي.

أسترازينيكا تدخل سباقًا بمليارات الدولارات

وفي يونيو 2025، أعلنت «أسترازينيكا» اتفاقًا مع شركة CSPC Pharmaceuticals الصينية، تصل قيمته المحتملة إلى 5.33 مليار دولار، لتطوير أدوية جديدة باستخدام تقنيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وتضمن الاتفاق 110 ملايين دولار مقدمًا، إلى جانب مدفوعات محتملة مرتبطة بمراحل التطوير والمبيعات، بهدف اكتشاف وتطوير أدوية فموية جديدة، خاصة للأمراض المزمنة.

وتكشف هذه النوعية من الصفقات عن تغير مهم في طريقة تعامل الشركات مع الذكاء الاصطناعي؛ إذ لم يعد استخدامه مقتصرًا على تحليل نتائج التجارب، وإنما أصبح يدخل في مرحلة مبكرة للغاية من صناعة الدواء، تبدأ من البحث عن الهدف البيولوجي المناسب وتصميم الجزيء الذي يمكنه التأثير فيه.

ماذا يفعل الذكاء الاصطناعي داخل معامل الدواء؟

يمتلك الذكاء الاصطناعي قدرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات البيولوجية والكيميائية بسرعة كبيرة، وهو ما يفتح المجال أمام استخدامه في تحليل الجينات والبروتينات، والبحث عن أهداف علاجية جديدة، وتصميم مركبات دوائية محتملة، والتنبؤ ببعض خصائصها قبل تصنيعها واختبارها معمليًا.

ويمكن للخوارزميات كذلك المساعدة في ترتيب آلاف أو ملايين المركبات وفق احتمالات نجاحها، بحيث يركز الباحثون التجارب المعملية على مجموعة أصغر من المرشحات الأكثر وعدًا.

ويمتد الاستخدام تدريجيًا إلى مراحل أخرى، بينها تصميم التجارب السريرية، واختيار المواقع والمرضى المناسبين للمشاركة فيها، وتحليل النتائج، وإعداد بعض الوثائق التنظيمية، وتحسين عمليات التصنيع.

وهنا تكمن القيمة الاقتصادية المحتملة للتكنولوجيا؛ فكل تجربة فاشلة يتم استبعادها مبكرًا قد تعني توفير وقت وتكاليف كان يمكن إنفاقها على مركب لا يمتلك فرصة حقيقية للنجاح.

هل يمكن إنتاج دواء في شهور بدلًا من سنوات؟

أظهرت تجارب عدد من الشركات أن الذكاء الاصطناعي قادر بالفعل على تقليص الوقت اللازم لبعض مراحل اكتشاف الدواء، خصوصًا عملية تحديد الأهداف العلاجية وتصميم المرشحات الدوائية الأولية.

وتعد «إنسيليكو ميديسين» من أبرز الشركات التي تحاول إثبات هذا النموذج، بعدما طورت منصة تستخدم الذكاء الاصطناعي بدءًا من اكتشاف الأهداف البيولوجية وصولًا إلى تصميم الجزيئات.

لكن اختصار مرحلة اكتشاف المرشح الدوائي لا يعني أن الدواء أصبح جاهزًا للاستخدام.

فالمرشح الذي تصممه الخوارزمية يجب أن يخضع للاختبارات المعملية ودراسات ما قبل السريرية، ثم مراحل التجارب السريرية على البشر، قبل تقديم ملفه إلى الجهات التنظيمية للحصول على الموافقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصنع الدواء بمفرده

ورغم الصورة المستقبلية التي تحيط بهذه التكنولوجيا، فإن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل المختبر أو الباحث أو التجربة السريرية.

فقد يستطيع نموذج حاسوبي اقتراح جزيء يبدو واعدًا نظريًا، لكن جسم الإنسان أكثر تعقيدًا من أي نموذج رقمي، وقد يفشل المركب بسبب السمية أو ضعف الفاعلية أو مشكلات الامتصاص والتوزيع داخل الجسم أو آثار جانبية لم يكن من الممكن توقعها بصورة كاملة.

ومن هنا يظل الاستخدام الأكثر واقعية للذكاء الاصطناعي حاليًا هو مساعدة العلماء على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، وليس استبدال المنهج التجريبي الذي تقوم عليه صناعة الدواء.

لماذا تدفع شركات الدواء كل هذه الأموال؟

تطوير دواء جديد عملية طويلة وعالية المخاطر؛ إذ يمكن أن تستمر سنوات، بينما لا يصل سوى جزء من المركبات التي تبدأ رحلة التطوير إلى مرحلة الموافقة النهائية.

ولهذا فإن القدرة على اكتشاف المرشحات غير الواعدة مبكرًا، أو تحديد هدف علاجي أكثر دقة، أو تصميم مركبات تتمتع بخصائص أفضل، يمكن أن توفر على الشركات سنوات من البحث ونفقات كبيرة.

كما أصبحت البيانات نفسها أصلًا استراتيجيًا؛ فالشركات التي تمتلك قواعد بيانات بيولوجية واسعة ومختبرات متطورة وبنية حوسبية قوية يمكنها تدريب نماذج أكثر تخصصًا وتحسين قدرتها على التنبؤ.

لذلك لم تعد المنافسة مقتصرة على من يمتلك أفضل علماء الكيمياء والأحياء فقط، وإنما أصبحت تشمل كذلك من يمتلك البيانات والحوسبة والخوارزميات والقدرة على دمجها مع العمل المخبري.

الذكاء الاصطناعي يدخل التجارب السريرية أيضًا

ولا يتوقف التحول عند مرحلة اكتشاف الجزيئات؛ إذ تستخدم شركات ومراكز بحثية الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد المرضى الأكثر ملاءمة للتجارب السريرية، وتحليل البيانات الطبية، واختيار مواقع إجراء الدراسات، ورصد بعض أنماط الاستجابة للعلاج.

ويمكن أن تكون لهذه التطبيقات أهمية خاصة في مجال الطب الدقيق وعلاج السرطان والأمراض النادرة، حيث يصبح تحديد المريض المناسب للعلاج المناسب عنصرًا رئيسيًا في نجاح التجارب.

كما تتجه الشركات إلى استخدام الأدوات الذكية في أجزاء من الأعمال التنظيمية وإدارة البيانات وسلاسل التصنيع، بما يجعل تأثير التكنولوجيا ممتدًا عبر دورة حياة الدواء وليس مقصورًا على المختبر.

وعود ضخمة.. لكن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد

رغم حجم الاستثمارات، يحذر متخصصون من التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره حلًا سحريًا لمشكلة اكتشاف الأدوية.

فالأدلة المتاحة حتى الآن تبدو أكثر وضوحًا في قدرته على تسريع بعض مراحل البحث المبكر وتحليل البيانات وتصميم الجزيئات، بينما لا تزال قدرته على خفض معدلات فشل الأدوية في المراحل السريرية المتقدمة بحاجة إلى مزيد من الإثبات.

كما أن عددًا كبيرًا من البرامج الدوائية التي طُورت بمساعدة الذكاء الاصطناعي لا يزال في مراحل مبكرة أو متوسطة من التطوير، وبالتالي فإن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تقييم ما إذا كانت السرعة التي حققتها الخوارزميات داخل المختبر ستتحول إلى معدلات نجاح أعلى داخل العيادات والمستشفيات.

من يمتلك «معمل المستقبل»؟

ما يحدث حاليًا قد يكون بداية لتغيير أعمق في صناعة الدواء العالمية؛ فمعامل المستقبل ربما لن تعتمد فقط على الباحثين وأجهزة الاختبار التقليدية، وإنما على منظومة مترابطة تجمع بين العلماء والذكاء الاصطناعي والروبوتات والمختبرات المؤتمتة وقواعد البيانات البيولوجية الضخمة.

وفي هذه المنظومة يمكن للخوارزمية أن تقترح الجزيء، وينفذه نظام آلي داخل المختبر، وتعود النتائج مرة أخرى إلى النموذج لتعديل التصميم واقتراح نسخة جديدة، في دورة بحثية أسرع من الأساليب التقليدية.

لكن نجاح هذا النموذج لن يُقاس بعدد الصفقات التي توقعها الشركات، أو بحجم الأموال التي تعلنها، أو بعدد الجزيئات التي تستطيع الخوارزميات تصميمها.

الاختبار الحقيقي سيكون أكثر بساطة وحسمًا: هل ستتحول هذه الجزيئات إلى أدوية آمنة وفعالة تصل إلى المرضى؟

إذا نجح الذكاء الاصطناعي في عبور هذه المرحلة، فقد لا يكون مجرد أداة جديدة داخل صناعة الدواء، وإنما أحد أكبر التحولات التي شهدتها عملية اكتشاف وتطوير العلاجات خلال العقود الأخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top