تجارة بمليارات الجنيهات… ومواطنون يدفعون الثمن بأموالهم وصحتهم
تحقيق: رجاء ناجي
في زمن يسعى فيه الناس إلى حلول سريعة لكل أزمة صحية، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية إلى أسواق مفتوحة لبيع “الأمل في علبة”.
من أقراص للتخسيس “الطبيعي” إلى مكملات “معجزة” لعلاج السكر أو تساقط الشعر، تتدفق الإعلانات بلا رقيب، تخفي وراءها تجارة قاتلة تدر مليارات سنويًا على حساب صحة المصريين.
ظاهرة عالمية… وأرقام مرعبة
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية لعام 2024 إلى أن 11% من الأدوية المتداولة عالميًا مغشوشة، وترتفع النسبة إلى 23% عبر الإنترنت، بينما تتجاوز قيمة تجارة الأدوية المغشوشة عالميًا 200 مليار دولار سنويًا — أي ما يعادل 10% من حجم سوق الدواء في العالم.
وفي مصر، تُقدّر دراسات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن الأدوية المغشوشة والمهربة تمثل نحو 15% من سوق الدواء المحلي، في حين تنتشر حوالي 60 قناة فضائية تروّج لأدوية مجهولة المصدر، وأكثر من 150 صفحة إلكترونية تبيع مستحضرات “غير مسجلة” على أنها منتجات طبيعية أو عشبية.
وفي تحذير حديث صدر عن منظمة الصحة العالمية في يناير 2025، أكدت أن عددًا من دفعات الأدوية المزيفة لعلاج السكري من النوع الثاني والتخسيس (بما في ذلك منتجات شبيهة بحقن التخسيس الشهيرة وتم رصدها في عدة دول، محذرة من أنها قد تسبب تسممًا ومضاعفات تهدد الحياة، بعد اكتشاف عبوات حقن مزيفة في الولايات المتحدة والبرازيل والمملكة المتحدة.

إعلانات مضللة.. والدواء خارج السيطرة
تحولت الإعلانات الدوائية من وسيلة توعية إلى سلاح لتسويق الوهم.
يقول الدكتور أشرف حاتم، رئيس لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب:
“في الدول المتقدمة لا يُسمح بتوجيه الإعلانات الدوائية إلى الجمهور مباشرة، بل إلى الأطباء فقط، وتخضع لمراجعة الهيئات الصحية بدقة.”
ويضيف أن قانون تنظيم الإعلانات الدوائية رقم 206 لسنة 2017 لم يُفعّل حتى الآن بسبب غياب اللائحة التنفيذية، مما فتح الباب أمام فوضى إعلانية تستغل حاجة المرضى وضعف الوعي الصحي.
ويشير إلى أن بعض البرامج الفضائية تستضيف “أطباء” يقدمون منتجات مقابل أجر، ما يمثل خيانة للأمانة المهنية وتهديدًا مباشرًا لثقة المرضى في المنظومة الصحية.
بيع السم في عبوة علاج
من جانبه، يؤكد الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية، أن الأدوية التي تُباع عبر الإنترنت أو السوشيال ميديا “مخالفة للقانون بنسبة 100%”، وغالبًا ما تُنتج في مصانع غير مرخصة أو خارج الرقابة الصحية.
“الدواء لا يُباع إلا داخل صيدلية مرخصة وتحت إشراف صيدلي، أما تلك المنتجات المتداولة على الإنترنت فهي مجهولة المصدر، باهظة الثمن، ومغشوشة بالكامل.”
ويحذر من أن أكثر الفئات استهدافًا هم الشباب والنساء الباحثات عن “الرشاقة السريعة”، عبر منتجات تحوي مواد محظورة مثل السيبوترامين Sibutramine، التي تم حظرها عالميًا منذ 2010 لتسببها في أزمات قلبية وفشل كلوي واضطرابات نفسية.

هيئة الدواء المصرية تتحرك.. “دوانا” و“التتبع الدوائي”
في مواجهة الفوضى المتنامية، أطلقت هيئة الدواء المصرية عدة مبادرات لضبط السوق وتعزيز الرقابة:
• نظام التتبع الدوائي الإلكتروني باستخدام “الباركود الذكي”، لمتابعة رحلة الدواء من المصنع إلى المريض.
• مشروع “دوانا” لمراقبة العقاقير المخدرة والأدوية النفسية، ومنع تهريبها أو إساءة استخدامها.
ويؤكد الدكتور ياسين رجائي، مساعد رئيس هيئة الدواء المصرية، أن النظام الجديد “يمكّن المواطنين من التحقق من أصالة الدواء عبر الموبايل، والإبلاغ فورًا عن أي عبوة مشكوك فيها”.
ويضيف أن الهيئة بالتعاون مع وزارة الداخلية والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تنفذ حملات دورية لرصد الصفحات المخالفة وإغلاقها، لافتًا إلى أن حملات التفتيش في 2024 ضبطت أدوية مغشوشة بقيمة 20 مليون جنيه خلال مرور على أكثر من 9 آلاف مؤسسة صيدلية.

ثغرات تشريعية وغياب الردع
رغم الجهود الرقابية، يرى خبراء الصحة أن القوانين المعطّلة تمثل ثغرة كبرى في حماية المواطن.
يقول الدكتور محيي حافظ، رئيس لجنة الصحة والدواء باتحاد المستثمرين:
“سوق الأدوية المزيفة يستغل غياب الردع القانوني وتأخر الرقابة الإلكترونية، بينما الحل الحقيقي يبدأ من التفعيل الصارم للقوانين ورفع وعي المستهلك.”
ويشير إلى أن تجارة الأدوية المغشوشة لا تهدد الاقتصاد فقط، بل تضرب ثقة المواطنين في الدواء المحلي، مما ينعكس سلبًا على الصناعة الوطنية.
كيف تحمي نفسك من الأدوية المغشوشة؟
ينصح الخبراء المواطنين بـ:
• شراء الدواء فقط من الصيدليات المعتمدة.
• تجنب شراء أي منتج يُعلن عنه على الإنترنت أو الفضائيات.
• التأكد من وجود رقم تسجيل هيئة الدواء المصرية على العبوة.
• الإبلاغ عن الإعلانات أو المنتجات المشبوهة عبر الخط الساخن 15301 التابع لهيئة الدواء المصرية.

الأدوية المغشوشة.. جريمة منظمة ضد الصحة العامة
لم تعد تجارة الأدوية المغشوشة مجرد جريمة اقتصادية، بل تحولت إلى تهديد مباشر للأمن الصحي القومي.
ففي كل عبوة مغشوشة احتمال لمأساة جديدة: مريض يفقد حياته، أو طفل يتلقى جرعة قاتلة، أو أسرة تنفق مدخراتها على دواء بلا فاعلية.
لذلك، يؤكد الخبراء أن المعركة الحقيقية تبدأ من وعي المواطن، وتكتمل بتطبيق القانون بلا تهاون، لأن حماية الصحة العامة ليست ترفًا، بل واجب وطني وأخلاقي.

⸻



