“جولات على الأرض”.. كيف أعادت زيارات وزير الصحة ضبط إيقاع المستشفيات؟

“جولات على الأرض”.. كيف أعادت زيارات وزير الصحة ضبط إيقاع المستشفيات؟

من تحويل مسؤولين للتحقيق إلى سدّ عجز الأطباء وتطوير منشآت كبرى… زيارات ميدانية تعيد فتح ملفات كانت مغلقة لسنوات

إعداد: بوابة مصر الصحية

خلال الأسابيع الأخيرة شهد القطاع الصحي في مصر نمطًا جديدًا من الإدارة يعتمد على الحضور الميداني المباشر، حيث نفّذ الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، سلسلة من الجولات المفاجئة على عدد واسع من المستشفيات ومراكز الرعاية في محافظات متعددة، بدءًا من الشرقية والدقهلية مرورًا بالقاهرة الكبرى ووصولًا إلى المحافظات الحدودية. هذه الجولات لم تكن مجرد متابعات روتينية، بل تحولت إلى أداة تشخيص حقيقية كشفت عن مواطن خلل ظلّت متراكمة لسنوات، سواء في نقص أطباء الطوارئ وغياب بعض المديرين، أو في توزيع الأدوية والمستلزمات، أو في قصور البنية التحتية والتجهيزات. وفي المقابل، أدت إلى مكافأة إدارات ملتزمة واتخاذ إجراءات إصلاح عاجلة في مواقع أخرى.

الجولة الأخيرة في حلوان كانت نموذجًا واضحًا لكيف تتحول زيارة واحدة إلى خطة تطوير متكاملة. فقد تفقد الوزير مستشفى الصحة النفسية بحلوان الذي يقع على مساحة 120 ألف متر مربع ويستقبل أكثر من 4500 حالة شهريًا، ووجّه بإعداد تصور شامل لتطويره، وتشكيل لجنة هندسية لإعادة استغلال أحد المباني، ورفع كفاءة مسارات الخدمة والبنية التحتية. كما كشفت الجولة الحاجة لتوسيع خدمات المراهقين والإدمان وتطوير غرف الطوارئ وبرامج التأهيل المجتمعي.

وتضمنت الجولة متابعة أعمال إنشاء مستشفى النصر الجديد، وهو مشروع طبي ضخم بطاقة 396 سريرًا و19 غرفة عمليات و89 سرير رعاية مركزة. وقد وجّه الوزير بتسريع وتيرة الإنشاءات وضرورة الالتزام بموعد التسليم، لما تمثله المستشفى من مركز محوري للخدمات الصحية جنوب القاهرة. كما شملت الجولة زيارة مركز صحة الأسرة الست الخضرة، حيث استمع الوزير لشكاوى المترددين بشأن نقص بعض التخصصات، ووجّه بانتظام وجود أطباء النساء والباطنة والأطفال ومتابعة توافر الأدوية وتحسين مسارات المبادرات الرئاسية.

خلال الشهرين الماضيين، أظهرت الجولات السابقة نتائج سريعة وملموسة؛ إذ تم تحويل عدد من المسؤولين للتحقيق بسبب غياب أو قصور إداري، وإجراء تغييرات في مواقع قيادية ببعض المستشفيات، وسدّ عجز أطباء الطوارئ من خلال انتدابات عاجلة، ومعالجة مشكلات التكدّس في طوارئ عدة منشآت، إلى جانب ضبط نواقص الأدوية والمحاليل وتحسين الانضباط الإداري. كما تم مكافأة إدارات أثبتت التزامًا ورفعت مستوى الخدمة بشكل لافت في منشآت مثل سرس الليان وأبوخليفة ومستشفى الطوارئ بالمنصورة.

وراء هذه الجولات هدف أعمق من مجرد المتابعة؛ إذ إنها فتحت قناة اتصال مباشرة بين الوزير والمرضى، وجعلت حل المشكلات الفورية أمرًا متاحًا بدلًا من انتظار شهور. كما كشفت عن فجوات مزمنة في توزيع القوى البشرية، وضعف وجود أطباء ليلًا في بعض الأقسام الحيوية، وتعطل أجهزة أشعة ضرورية، وغياب بعض المديرين في أوقات العمل، وسوء إدارة مخازن الأدوية. وبمجرد انتشار ثقافة الجولات المفاجئة، بدأت المستشفيات في إعادة ضبط إيقاعها اليومي، وتشديد الانضباط، ومراجعة سجلات الحضور، وتحسين جاهزية غرف الطوارئ وإعادة تنظيم النوباتجيات.

هذه التحركات انعكست على الخدمة بشكل مباشر، حيث أظهر التقرير الأسبوعي للوزارة انخفاضًا في زمن الانتظار ببعض الطوارئ بنسبة وصلت إلى 35٪، وتحسنًا في توافر الأدوية الأساسية بنسبة 20٪، وارتفاعًا في الالتزام بالبروتوكولات العلاجية وتحسنًا في معايير النظافة ومكافحة العدوى.

الجولات أيضًا تحمل رسالة سياسية وإدارية واضحة في التوقيت ذاته، خاصة مع توسع الدولة في مشروعات “حياة كريمة”، وتشغيل مستشفيات جديدة، وهيكلة القطاع الصحي، وربط الخدمات بالتحول الرقمي، والتوسع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل. وجود الوزير بشكل مباشر على الأرض يعكس أن الدولة لا تقبل بتراجع جودة الخدمة، وأن المريض المصري لم يعد ينتظر تعليمات مؤجلة، بل حلولًا فورية داخل المنشآت نفسها.

واخيراً

الجولات الأخيرة ليست زيارات عابرة، بل أسلوب عمل يعيد ضبط إيقاع المنظومة الصحية ويكشف مشكلاتها على الطبيعة. وفي ظل التحديات المرتبطة بتوزيع القوى البشرية ونقص بعض التخصصات، تبدو هذه الجولات أحد أسرع الوسائل لاكتشاف القصور وإصلاحه فورًا. وما تكشفه يوميًا يؤكد أن المنظومة الصحية تتحرك، وأن إرادة المتابعة والمحاسبة والإصلاح باتت تُمارس على الأرض، لا من خلف المكاتب المغلقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top