أسعار جراحات وكشوفات تتجاوز قدرة المواطنين… والطب الخاص يدخل مرحلة “الانتقائية الطبقية”
إعداد: بوابة مصر الصحية
في إحدى عيادات مصر الجديدة وقفت “أم ياسر” ممسكة بصور أشعة ابنها الذي يعاني من اعوجاج في العمود الفقري، وتبدو على ملامحها الحيرة والصدمة بعدما بلغها الطبيب “وهو من مشاهير السوشيال ميديا” ما يقارب من مليون جنية لاجراء الجراحه، خرجت الأم وهي تدرك أن رحلة العلاج لم تعد معركة ضد المرض فقط، بل معركة ضد القدرة على الدفع.
هذه القصة ليست استثناءً، بل أصبحت جزءًا من واقع يعيش فيه المواطن المصري صراعًا يوميًا بين الحاجة للعلاج والقدرة على تحمله، في وقت تحوّل فيه الطب الخاص إلى ساحة تسعير بلا ضوابط، وصناعة ضخمة يتحكم فيها “النجوم” بعيدًا عن رقابة فعلية.

قفزة هائلة في الأسعار.. والمواطن هو الحلقة الأضعف
شهدت السنوات الأخيرة قفزات غير مسبوقة في أسعار الجراحات الدقيقة. جراحات العمود الفقري والمخ والأعصاب لدى بعض الأطباء تخطت حاجز المليون جنيه، بينما وصلت عمليات الحقن المجهري في مراكز معروفة إلى أرقام تقترب من 200 ألف جنيه. أما كشف الأسماء الشهيرة فصار يلامس 1500 جنيه، ولا يشمل إعادة الاستشارة.
بالاضافة الي أن أقرب موعد للحجز لدى بعض الأطباء المشهورين قد يتجاوز شهرين، ما يجعل الألم واحدًا من “طوابير الانتظار” الجديدة في حياة المصريين.
الطب الخاص اليوم منقسم بين من يستطيع أن يدفع ومن يظل أسيرًا للألم، وبينهما شريحة تتردد بين الاستدانة أو تأجيل العلاج.
سوشيال ميديا تصنع “أساطير طبية” وترفع الأسعار
لم يعد اسم الطبيب يُصنع فقط داخل غرفة العمليات، بل على منصات السوشيال ميديا، الكثير من الأطباء ينفقون مبالغ كبيرة في الإعلانات الممولة والظهور على وسائل التواصل، وبعضهم ينفق شهريًا ما يعادل تكلفة جراحة كاملة من أجل زيادة الشهرة.
هذه المصاريف تجد طريقها سريعًا إلى فاتورة الكشف والجراحة، في ظل غياب آلية رقابية عادلة على الإعلان الطبي، والظهور الممول على السوشيال ميديا
واكد لنا احد الاساتذة فى كلية الطب ” أن هناك عدد من الأطباء اصبحوا مشاهير على السوشيال ميديا ، يتحدثون ويظهرون مثل الممثلين، ويشاركون كل احداث يومهم وهذا الاساليب جديدة على الوسط الطبي ومكلفة لانها ممولة لتظهر لاكبر عدد، والنتيجه رفع اسعار الاكشف والجراحات والطبيب المشهور هو الذي يحدد قيمة كشفة”

لماذا ترتفع الأسعار؟ خلفيات المشهد الصامت
وبعد طرح هذا التساؤال على عدد كبير من الأطباء كان تفسرهم أن ، وراء الارتفاع المفاجئ أسباب متعددة، أبرزها اعتماد الجراحات الدقيقة على مستلزمات مستوردة تسعّر بالدولار، في ظل تغيرات سعر الصرف. يضاف إلى ذلك نقص الكوادر في تخصصات حرجة مثل جراحات الأعصاب والعمود الفقري والحقن المجهري والقسطرة، ما يجعل سوق هذه التخصصات ضيقًا وعالي التكلفة.
كما يؤثر غياب تسعيرة استرشادية للجراحات على زيادة الفجوة بين المستشفيات، فتختلف التكلفة من طبيب لآخر بلا مبرر طبي واضح. وتساهم الديكورات الفاخرة للعيادات الخاصة وما يسمّى “الخدمات المميزة” في رفع الفاتورة دون علاقة مباشرة بجودة الخدمة.
وتبقى المشكلة الأكبر أن مظلة التأمين الصحي الشامل لا تغطي بعد كل المحافظات، ومستشفيات وزارة الصحة غير قادرة على استعاب كافة المرضي وعدم توافر بعض التخصصات الدقيقة بها، الي جانب وجود قوائم أنتظار،ما يترك ملايين المواطنين تحت ضغط القطاع الخاص.
شهادات من الواقع.. المرض ليس العائق الوحيد
في الإسكندرية تسرد سيدة تجربتها مع الحقن المجهري قائلة إن التكلفة بلغت 95 ألف جنيه دون الأدوية، وإن تكرار المحاولة يعني دفع المبلغ كاملاً من جديد.
وفي المنيا يتحدث رجل خمسيني:
“قالوا لي العملية 850 ألف، وأنا موظف معاشي كله أربعة آلاف. إزاي؟”.
وفي القاهرة اشتكت شابة أجرت عملية تكميم من إضافة مصاريف لم تكن معلنة، لتجد نفسها تدفع أكثر من المتفق عليه بعد العملية.
هذه الشهادات تكشف أن الأزمة لم تعد مقتصرة على التخصصات الدقيقة، بل امتدت إلى الإجراءات الشائعة.
هل الشهرة تساوي الكفاءة؟ سؤال يحتاج إلى إجابة
الكثير من المواطنين يربطون بين السعر والجودة، لكن الواقع يكشف أن هناك عشرات الأطباء المتميزين في المستشفيات الجامعية والتأمين الصحي يقدمون الخدمة ذاتها بجزء بسيط من التكلفة. الفرق الحقيقي ليس دائمًا في المهارة، بل في “التسويق”.

وجهة نظر الأطباء.. ارتفاع التكلفة له جذور
هناك من يرى أن ارتفاع الأسعار يعود لزيادة تكلفة الاستيراد وتشغيل المستشفيات وأدوات الجراحة الحديثة، بالإضافة إلى تكاليف التعليم الطبي المستمر. إلا أن هذه الأسباب، رغم واقعيتها، لا تبرر تحول جراحة أساسية إلى خدمة تتجاوز قدرة المواطن العادي.
قانون المسؤولية الطبية… حماية للطبيب أم للمريض؟
مع بداية مناقشة قانون المسؤولية الطبية، تجدد الجدل حول العلاقة بين الطبيب والمريض. القانون يهدف إلى حماية المريض من الأخطاء الجسيمة، وفي الوقت نفسه عدم تجريم القرارات الطبية المعقدة.
لكن هذا القانون يفتح بابًا مهمًا:
إذا كانت الدولة تراجع مسؤوليات الطبيب… ألا يجب أن تراجع أيضًا مسؤوليات تسعير الخدمة؟
القانون قد يكون خطوة نحو إعادة التوازن، لكنه يجب أن يترافق مع تسعيرة عادلة تمنع المبالغة في التكاليف وتضمن حق الطبيب والمواطن معًا.
هل من حل؟ ما الذي يمكن للدولة والمجتمع فعله؟
المشهد يحتاج إلى تدخلات عاجلة، أبرزها وضع تسعيرة استرشادية للجراحات، وتوسيع التغطية الصحية الشاملة، وترشيد الإعلان الطبي، ودعم التخصصات الدقيقة داخل المستشفيات الحكومية، وإطلاق منصة وطنية لشفافية تكاليف العلاج.
المواطن لا يطلب رفاهية، بل سعرًا عادلًا وخدمة آمنة، وخيارًا لا يعتمد على القدرة المالية وحدها.
وأخيراً في زمن الغلاء واتساع الفجوة الاقتصادية، أصبح العلاج معركة يومية. المواطن لا يريد طبيبًا نجمًا بقدر ما يريد نظامًا عادلًا. يرى نفسه يقف بين مستشفى حكومي مزدحم ومستشفى خاص باهظ الثمن، وهو يعلم أن المرض لا ينتظر تحسينات بطيئة.
يبقى السؤال الأكبر:
هل يمكن للطب أن يستعيد روحه الإنسانية؟ أم يستمر ميدانًا للقدرة على الدفع قبل القدرة على العلاج؟



