إعداد:بوابة مصر الصحية
في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بأوبئة جديدة وتهديدات صحية متصاعدة، عاد مرض قديم إلى الواجهة بقوة غير مسبوقة: السيلان، إحدى أخطر العدوى المنقولة جنسيًا، والذي يُظهر اليوم قدرة متسارعة على مقاومة المضادات الحيوية، مما دفع منظمة الصحة العالمية لإطلاق تحذير عاجل، مؤكدة أن المرض بات يجدّد نفسه بطريقة تهدد خيارات العلاج المتاحة وتفتح بابًا لأزمة صحية عالمية جديدة.

ما هو السيلان؟ وكيف ينتقل؟
السيلان عدوى بكتيرية تسببها المكوّرات البنية، وتُعد من أكثر الأمراض المنقولة جنسيًا انتشارًا. ينتقل المرض من خلال أي اتصال جنسي مباشر، بما في ذلك العلاقات الكاملة أو الملامسات الحميمة، كما قد ينتقل من الأم إلى الطفل أثناء الولادة.
ورغم سهولة علاجه سابقًا باستخدام مضاد حيوي واحد، إلا أن البكتيريا طوّرت خلال العقد الأخير قدرة مقلقة على مقاومة معظم المضادات المتاحة، ما جعل المنظمة تصفه بأنه “مرض يبحث عن علاج جديد”.
المرض لا يُعد مجرد مشكلة صحية، بل ظاهرة ترتبط بالسلوكيات الجنسية الخطرة، العلاقات خارج إطار الزواج، غياب الوعي، الضغط المجتمعي الذي يجعل كثيرًا من الفتيات والشباب يترددون في الحديث عن مشكلاتهم الصحية، إضافة إلى وصمة العار التي تدفع البعض للعلاج الذاتي الخاطئ، الأمر الذي يساهم في تضاعف المقاومة الدوائية.
ما هي أعراض السيلان؟
يسبب السيلان ألم وحرقة عند التبول، التهاب الحلق وجفافه، التهاب الملتحمة
إفرازات شرجية
ويشير موقع healthdirect الأسترالي إلى أنّ الأعراض تختلف بين الإناث والذكور، لتشمل عند الإناث ما يلي:
إفرازات مهبلية غير طبيعية، ألم في الحوض، لا سيّما أثناء الجماع
نزيف مهبلي غير منتظم، تحديدًا بين الدورات الشهرية أو بعد الجماع
أما عند الذكور، فقد تشمل الأعراض ما يلي:
إفرازات صفراء أو بيضاء أو خضراء من العضو الذكري، ألم أو تورم في الخصيتين، احمرار حول فتحة العضو
و هذه الأعراض عادةً ما تبدأ بعد يومين إلى خمسة أيام من الإصابة بمرض السيلان.
موجة مقاومة عالمية… الأدوية الأساسية تفقد قوتها
وفق أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، شهد العالم ارتفاعًا حادًا في مقاومة السيلان لأهم المضادات الحيوية المستخدمة: السيفترياكسون والسيفيكسيم. فقد قفزت المقاومة للسيفترياكسون من 0.8% إلى 5% خلال عامين فقط، بينما ارتفعت مقاومة السيفيكسيم إلى 11%، وتم تسجيل سلالات مقاومة في بلدان جديدة، مما يشير إلى انتشار عالمي متسارع.
والمفزع أن مقاومة السيبروفلوكساسين بلغت 95% في بعض الدول الآسيوية، بينما تساهم الحركة الدولية والسفر والاختلاط العشوائي في نقل السلالات المقاومة من بلد لآخر بسهولة.
العلاقات خارج إطار القانون… العامل الأكثر تجاهلًا
تكشف الدراسات أن أكثر فئات الإصابة انتشارًا هم الشباب الذين يمارسون علاقات متعددة خارج الإطار القانوني والديني، حيث أبلغ 42% من المصابين عن تعدد الشركاء في آخر 30 يومًا، كما أن نسبة كبيرة كانت من “الرجال الذين يمارسون الجنس مع رجال”، وهي فئة ذات خطورة عالية عالميًا.
في مجتمعاتنا العربية، يُضاف إلى ذلك عامل الصمت. فالعادات والتقاليد تضع حاجزًا صلبًا أمام الاعتراف أو طلب المساعدة الطبية، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص وتفاقم العدوى، بل ونقلها دون علم إلى الشريك الشرعي في كثير من الحالات.
إن غياب التربية الجنسية الصحية لا الإباحية يجعل الشباب يدخلون عالم العلاقات دون وعي أو حماية، ويستخدمون المضادات الحيوية بطريقة عشوائية تزيد من مقاومة البكتيريا بدلاً من علاجها.

لماذا يصبح السيلان خطرًا يهدد الصحة العامة؟
السيلان ليس مجرد عدوى مزعجة، بل مرض يمكن أن يهدد الخصوبة ويؤثر على الحياة الإنجابية. في حال إهمال العلاج، قد يؤدي إلى التهابات الحوض، آلام مزمنة، الحمل خارج الرحم، والعقم لدى الرجال والنساء على حد سواء.
والمشكلة الكبرى اليوم أن “الأدوية القديمة لم تعد تعمل”… وهذا يعني أن الخيارات تتقلص، وأن العالم قد يواجه سلالة لا تستجيب لأي علاج معروف.
وتعمل منظمة الصحة العالمية مع مختبرات دولية لرصد التغيرات الجينية للبكتيريا، وتقييم علاجات مستقبلية واعدة مثل الزوليفلوداسين والجيبوتيداسين، وهي أدوية ما زالت قيد التجارب.
كما أنه يتم تحليل آلاف العينات من عدة دول لرسم خريطة دقيقة لمقاومة السلالات، في محاولة لابتكار علاج قادر على استعادة السيطرة قبل فوات الأوان.
لكن المنظمة تؤكد أن العلم وحده غير كافٍ… فالسلوك البشري هو المحرك الأول لانتشار المرض.
كيف نحمي أنفسنا؟ الوقاية تبدأ من السلوك وليس فقط من الدواء
حماية المجتمع تبدأ من تعزيز الوعي حول الأمراض المنقولة جنسيًا، ونشر ثقافة صحية واضحة تحترم القيم وتمنع الممارسات التي تعرض الإنسان للضرر.
في مجتمعاتنا، تلعب العقيدة الدينية دورًا مهمًا، فهي تدعو إلى العفة وضبط العلاقات، وهو ما يتوافق تمامًا مع توصيات الصحة العالمية للحد من انتشار السيلان والإيدز وبقية العدوى المنقولة جنسيًا.
كما أن احترام القوانين والتقاليد التي تنظم العلاقات الأسرية يوفّر حماية طبيعية ضد العدوى، وهو ما أثبتته الإحصاءات بأن إصابات السيلان أقل بكثير في المجتمعات التي تلتزم بنمط علاقات ثابت وغير متعدد الشركاء.



