هناك لحظات في التاريخ لا تشبه ما قبلها ولا ما بعدها… لحظات لا تصنع طبيبًا أو مدرسة فحسب، بل تُعيد تشكيل مجتمع بأكمله.
ومن بين هذه اللحظات، تبرز قصة رجل فرنسي جاء إلى مصر شابًا غريبًا، فخرج منها «أبو الطب المصري الحديث»… رجل اسمه أنطوان بارثليمي كلوت، أو كما عرفه المصريون: كلوت بك.
وفي قلب القاهرة، على ضفاف النيل، يقف القصر العيني شاهدًا على هذه الأسطورة الفكرية والعلمية التي غيرت وجه مصر والمنطقة العربية.

قبل الأسطورة… كانت مصر تعالج بالأعشاب والكيّ
في بدايات القرن التاسع عشر، كانت مصر بلا نظام صحي.
لم تكن هناك مدرسة طب، ولا مستشفى تدريبي، ولا تشريح، ولا لقاحات، ولا أطباء محترفون.
كانت الأوبئة — الطاعون والجدري والكوليرا — تُقرر مصائر الناس.
وكان العطار والحكيم الشعبي هما المرجع الطبّي الأوحد.
لكن الدولة الحديثة التي أرادها محمد علي باشا كانت تحتاج جيشًا قويًا… وجيشًا بلا صحة لن يصمد.
ومن هنا بدأ البحث عن رجل قادر على بناء منظومة طبية من العدم.

لوحة لمدرسة الطب ابوزعبل
1825: وصول كلوت بك… الشرارة الأولى
حين وطئت قدماه القاهرة، صدمته الفوضى الصحية.
كتب في مذكراته:
“خمسة آلاف جندي وطبيب واحد يمارس الشعوذة… لم يكن أمامي إلا البدء من الصفر.” بهذه الجملة تبدأ أسطورة من أهم أساطير الطب في الشرق.
مدرسة أبي زعبل… ميلاد أول كلية طب في الشرق الأوسط
عام 1827، وبإشراف كلوت بك، تأسست أول مدرسة طبية حديثة في العالم العربي… مدرسة أبي زعبل العسكرية.
ولأول مرة في تاريخ مصر:
• دُرس التشريح على يد متخصصين
• أُنشئت مستشفى تعليمي
• بدأت حملات تلقيح ضد الجدري
• صيغ منهج طبي حديث يجمع بين العلم الأوروبي والعقل المصري
• اختير طلاب من الأزهر ليكونوا نواة الطب الحديث
كانت تلك الثورة الهادئة التي لم تحمل سيفًا، بل مشرطًا.

لوجة تظهر كلوت بك يحقن نفسة بمصل الطاعون
القصر العيني… من قصر مملوكي إلى أعرق مدرسة طب عربية
أصل القصر يعود إلى سنة 1466م، حين بناه شهاب الدين أحمد العيني.
تناوبت عليه الأدوار:
منتزه، مقر للولاة، سجن، مستشفى للحملة الفرنسية، مدرسة حربية…
لكن الحدث الأكبر جاء عام 1837 عندما نُقلت مدرسة الطب ومستشفاها إلى هذا القصر.
أعاد كلوت بك تصميم المكان ليصبح:
• مستشفى جامعي
• مركزًا للتشريح
• معاملًا طبية
• مدرسة للتمريض
• مركزًا لتأهيل القابلات
ومن هنا ولد الاسم الذي صار جزءًا من الذاكرة المصرية: القصر العيني.
حدث غير تاريخ الطب… أول حملة تطعيم وطنية
كان الجدري يحصد نصف أطفال مصر.
لكن كلوت بك، المُصمم على تغيير الواقع، قاد بنفسه أول حملة تطعيم حقيقية عام 1827، حتى ارتفعت نسب الوقاية بشكل غير مسبوق.
وفي عام 1847 استخدم «البنج» لأول مرة في العمليات الجراحية بمصر… لتبدأ مرحلة جديدة في الطب المصري.
ثورة إصلاحات… لم تُنسخ حتى اليوم
إنجازات كلوت بك لا تُعدّ ولا تُحصى، منها:
• أول نظام للسجلات الطبية في الشرق
• تأسيس مهنة التمريض الحديثة
• تنظيم مهنة الصيدلة والجراحة
• إنشاء مستشفيات الجيش والأسطول
• بناء أول نظام صحي حكومي شامل
• خطط مواجهة الطاعون والكوليرا
• وضع أول لوائح للصحة العامة
كان طبيبًا، ومشرّعًا، ومعلمًا، ومهندسًا لبنية صحية لم تكن موجودة من قبل.
ولهذا يقول المؤرخون:
“كلوت بك لم يؤسس مدرسة طب… بل أسس دولة صحية”.
كلوت بك… بين نقد المؤرخين وعدالة التاريخ
اختلفت الآراء حوله:
فريق يرى أنه مُصلح صادق
خدم مصر بإخلاص، وأحب شعبها، ورفض مغادرتها لسنوات طويلة.
فريق يراه جزءًا من مشروع تحديث يخدم سلطة محمد علي
لكن الحقيقة الراسخة أن أثره العلمي باقٍ حتى اليوم، وأن مبادئه صارت أساس المنظومة الطبية المصرية.

القصر العيني فى العهد المملوكي
الرحيل… وبقاء الإرث
عاد إلى فرنسا مريضًا عام 1858،
وتوفي في مرسيليا في 28 أغسطس 1868.
لكن أثره لم يمت:
• فالقصر العيني لا يزال القلب النابض للطب في الشرق
• وكتبه ومذكراته من أهم وثائق القرن التاسع عشر
• وشارع يحمل اسمه في قلب القاهرة
• وروح مشروعه ما زالت تتردد في أروقة المستشفيات والجامعات

متحف القصر العيني… الذاكرة التي لا تنام
بدأ التفكير في إنشاء المتحف عام 1909، وافتتح رسميًا في 1998–1999.
يضم:
• أدوات الجراحين منذ القرن 19
• كتبًا نادرة في التشريح
• نماذج وأجهزة استخدمت في مدرسة أبي زعبل والقصر العيني
• وثائق تصف بدايات الطب الحديث في مصر إنه أول متحف طبي جامعي عربي… ومتحف لذاكرة الطب المصري كله.
لماذا تبقى قصة كلوت بك مهمة اليوم؟
لأنها تذكّرنا أن بناء أي منظومة صحية لا يبدأ بالمال… بل يبدأ بالرؤية.
بالإيمان بأن العلم قادر على تغيير مصير أمة.
بالقدرة على تحويل قصر متهالك إلى صرح طبي خالد.
وفي كل طبيب تخرّج من القصر العيني،
وفي كل عملية تُجرى،
وفي كل محاضرة تُدرّس،
يعيش جزء من روح كلوت بك… الأسطورة التي صنعت الطب المصري الحديث.
المراجع
• سجلات كلية الطب – جامعة القاهرة
• كتاب تاريخ الطب في مصر الحديثة
• مقالات تاريخية منشورة في «المجمع العلمي المصري»
• كتابات المؤرخين: نعيم شقير، عبد الرحمن الرافعي، جاك تاجر



