جلد بشري مُجمّد لإنقاذ الأرواح… تحقيق يكشف رحلة «المورد الطبي الأندر» من بنوك العالم إلى مصر

جلد بشري مُجمّد لإنقاذ الأرواح… تحقيق يكشف رحلة «المورد الطبي الأندر» من بنوك العالم إلى مصر

إعداد: رجاء ناجي

في حدث طبي هو الأول من نوعه، استقبلت مصر أول شحنة من الجلد البشري المُجمّد المستخدم في إنقاذ مرضى الحروق العميقة. لكن ما حقيقة هذا الجلد؟ من أين يأتي؟ ولماذا يُعد واحدًا من أندر الموارد الطبية على مستوى العالم؟ وكيف وصل إلى مصر لأول مرة رغم الندرة العالمية؟ هذا التحقيق يكشف الرحلة الكاملة… من بنوك الجلد الدولية حتى غرفة العمليات

مقدمة: حين يصبح الجلد أثمن من الذهب

في وحدة الحروق، يرقد طفل فقد أكثر من 50% من جلده.

الأطباء يعرفون جيدًا أن الساعات القادمة قد تكون فاصلة؛ فغياب «غطاء بيولوجي» آمن يجعل جسم المريض معرضًا لصدمة حرارية وعدوى قاتلة.

حتى أسابيع مضت، لم تكن مصر تمتلك هذا الغطاء الحيوي… لكن دخول الجلد البشري المُجمّد لأول مرة غيّر قواعد اللعبة.

هذا التطور يكشف بداية رحلة معقدة لواحد من أندر الموارد الطبية في العالم—مورد لا يُباع في الأسواق، ولا ينتجه مصنع، ولا يمكن تعويضه إلا عبر التبرع البشري.

فما الذي يجعل الجلد المُجمّد بهذه الندرة؟
وما الذي يعنيه هذا الجلد للمصابين في بلد يعاني من واحدة من أعلى نسب الحروق عالميًا؟

أولًا: ما هو الجلد البشري المُجمّد؟ ولماذا يحتاجه مصابي الحروق؟

الجلد المُجمّد (Cryopreserved Allograft) هو جلد بشري حقيقي يُتبرع به بعد الوفاة، ويُعالج ويُحفظ في درجات حرارة تصل إلى –80°C داخل «بنوك الجلد» المعتمدة عالميًا.

يُستخدم هذا الجلد تحديدًا في حالات الحروق التي تتجاوز 40% من مساحة سطح الجسم… وهي الحالات الأكثر خطورة، حيث يفقد المريض غالبية جلده ولا يمتلك ما يكفي لإجراء الترقيع الذاتي.

وظائف الجلد المُجمّد:
  • يغلق الجرح بسرعة ويمنع العدوى
  • يقلل فقدان السوائل والبروتين
  • يمنع دخول الميكروبات في دم المريض
  • يحسّن معدلات النجاة بنسبة تصل إلى 90% (وفق الجمعية الأمريكية للحروق ABA)

ويشير الدكتور نعيم مؤمن، رئيس الفريق الجراحي بمستشفى أهل مصر، إلى أن:

“الجلد المُجمّد ليس رفاهية… بل وسيلة إنقاذ حياة في الأيام الأولى بعد الحرق.”

ثانيًا: لماذا الجلد البشري المُجمّد “نادر” عالميًا؟

الندرة ليست مفاجأة… بل نتيجة عدة أسباب معقّدة:

1. ندرة التبرع عالميًا

بنوك الجلد تعتمد بالكامل على تبرع المتوفين، عكس زراعة الأعضاء التي تحظى بدعم وتشريعات واسعة.

في بعض الدول الأوروبية، لا يُتبرع بالجلد إلا في حالات قليلة جدًا.

2. تكلفة الإنتاج والحفظ

وفقًا لتقارير Euro Skin Bank في هولندا:

         •      إعداد الجلد يتطلب تجهيزات متقدمة

         •      التعقيم متعدد المراحل

         •      الحفظ في صائغ خاص عند –80°C

         •      اختبارات فيروسية إلزامية

وهذا يجعل تكلفة سنتيمتر واحد من الجلد تتجاوز 25–40 دولارًا عالميًا.

3. ارتفاع الطلب وانخفاض الإنتاج عالميًا، هناك أقل من 30 بنك جلد نشط فقط.

أكبرها:

         •      Euro Skin Bank (هولندا)

         •      New York Firefighters Skin Bank

         •      Australian Skin Labs

ومصر بلا بنك جلد حتى الآن.

4. قيود النقل الدولي

الجلد المُجمّد مادة حسّاسة للغاية، ويجب نقله في وقت محدد وبظروف خاصة… أي خطأ بسيط يؤدي لإتلاف الشحنة بالكامل.

ثالثًا: من أي دول استوردت مصر الجلد؟ وما مصدره؟

تشير مصادر في قطاع الحروق إلى أن الشحنة الأولى مستوردة من بنك جلد أوروبي معتمد—على الأرجح هولندا أو إسبانيا—وهما من أكبر المورّدين عالميًا.

المعايير العالمية للجلد المُجمّد الذي استوردته مصر:

         •      تبرع بشري بعد الوفاة

         •      مطابق للمواصفة الأوروبية CE Mark

         •      خاضع لفحوص فيروسية (HIV, HBV, HCV…)

         •      محفوظ عند –80°C

         •      مُخصص للاستخدام العلاجي وليس التجميلي

رابعًا: كم تبلغ تكلفة الشحنة؟ ولماذا هي الأعلى في مجال الحروق؟

وفق أبحاث منشورة في Burn Care & Research Journal، تبلغ تكلفة الجلد المُجمّد:

         •      250–300 دولار للقدم المربّع الواحد

         •      وقد يصل إلى 1000 دولار للحالات شديدة التعقيد

حيث تشمل التكلفة:

  • الفحوص المعملية
  • معالجة الجلد
  • النقل الجوي المجمّد
  • الإفراج الجمركي السريع
  • التتبع والتوثيق الدولي

ما يعني أن شحنة واحدة قد تتجاوز مئات الآلاف من الدولارات.

لماذا تحتاج مصر لهذا الجلد الآن؟

لأن أزمة الحروق في مصر أكبر بكثير مما يتصور البعض:

         •      مصر تسجل أكثر من 250 ألف إصابة حروق سنويًا

         •      70% من المصابين أطفال

         •      90% من الوفيات تحدث في الأسبوع الأول بسبب العدوى والنزف

         •      حتى اليوم: لا يوجد بنك جلد مصري تابع لجهة حكومية

وفي الحالات الكبيرة، لا يكفي جلد المريض، ولا يمكن الانتظار أسبوعين أو ثلاثة لترقيع ذاتي.

وهنا يصبح الجلد المُجمّد سلاح الإنقاذ الأول.

هل يمكن لمصر تصنيع أو إنتاج الجلد بدلًا من استيراده؟

الإجابة: نعم… على المدى المتوسط.

تحتاج مصر إلى:

         •      إنشاء بنك جلد وطني بمعايير ISO 13485

         •      تشريعات للتبرع بالجلد بعد الوفاة

         •      تدريب كوادر في حفظ الجلد

         •      دعم مالي حكومي وخيري

         •      شراكات مع بنوك جلد عالمية

وقد أكدت مستشفى أهل مصر أنها تسعى لتأسيس أول بنك جلد مصري بالتعاون مع جهات دولية.

ماذا يغير هذا الإنجاز على أرض الواقع؟

قبل الجلد المُجمّد:

         •      تأخر التغطية الجراحية

         •      ارتفاع العدوى

         •      فقدان السوائل

         •      نسب نجاة منخفضة

بعد الجلد المُجمّد:

  • غلق الجروح خلال 24–72 ساعة
  • تقليل الوفيات بنسبة تصل إلى 60%
  •  تقليل مدة الإقامة بالمستشفى
  • تحسين شكل الندبات مستقبلًا
  •  إنقاذ مئات الأطفال سنويًا

بوابة مصر الصحية: مصر تدخل عصرًا جديدًا في طب الحروق

استيراد أول شحنة من الجلد المُجمّد ليس خبرًا طبيًا…

بل تغيير مسار كامل لمنظومة علاج الحروق.

فالجلد، الذي كان يومًا مادة نادرة لا تصل إلا لعدد محدود من المرضى في دول محدودة، أصبح الآن متاحًا في مصر لأول مرة.

وهذا يفتح الباب لتطوير أكبر منظومة علاج حروق في الشرق الأوسط، خاصة إذا نجحت الدولة والمجتمع المدني في إنشاء بنك جلد مصري، وهو ما سيجعل مصر مركزًا إقليميًا في هذا المجال الحيوي.

المراجع العالمية المستخدمة:

1.     American Burn Association – Guidelines for Allograft Use

         2.     EuroSkin Bank – Annual Report 2023

         3.     Journal of Burn Care & Research – Cryopreserved Allografts

         4.     WHO Burn Management Technical Guidelines

         5.     ISBI (International Society for Burn Injuries) Data 2024

         6.     FDA Human Tissue Regulation Summaries

         7.     تقارير مستشفى أهل مصر – وحدة البحث العلمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top