تطعيم الحامل ضد الفيروس التنفسي المخلوي: كيف نحمي الطفل قبل أن يولد؟

تطعيم الحامل ضد الفيروس التنفسي المخلوي: كيف نحمي الطفل قبل أن يولد؟

حوار مع الدكتور محمد ممتاز حول أحدث التطعيمات أثناء الحمل ودورها في تقليل وفيات حديثي الولادة

في السنوات الأخيرة، لم يعد الطب الحديث ينتظر ظهور المرض ليبدأ التدخل، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تقدمًا: استباق الخطر قبل أن يولد الإنسان نفسه. هذا التحول الجذري يظهر بوضوح في مفهوم تطعيم الحوامل، خاصة ضد الفيروس التنفسي المخلوي (RSV)، أحد أخطر أسباب دخول الرضع إلى الحضّانات وارتفاع معدلات الوفاة في الشهور الأولى من العمر.

وفي الوقت الذي تضع فيه الدولة المصرية صحة الأم والجنين في قلب سياساتها الصحية، من خلال مبادرات مثل الألف يوم الذهبية، يعكس هذا التوجه فهمًا علميًا متقدمًا لحقيقة واحدة: صحة الطفل لا تبدأ عند الولادة، بل تُصنع خلال الحمل.

في هذا الحوار، يشرح الدكتور محمد ممتاز، أستاذ النساء والتوليد ورئيس الجمعية المصرية لأمراض النساء والتوليد ومؤسس وحدة طب الجنين بجامعة القاهرة، كيف تغيّر العلم، ولماذا أصبحت حماية الطفل تبدأ من رحم أمه، لا من سرير الحضّانة.

في البداية، لماذا عاد الحديث بقوة عن الفيروس التنفسي المخلوي الآن؟

د.محمد ممتاز: الحديث عن الفيروس التنفسي المخلوي ليس جديدًا من حيث المرض نفسه، فهو فيروس معروف منذ عقود، لكن الجديد هو حجم الوعي بخطورته الحقيقية. هذا الفيروس يُعد السبب الأول عالميًا لدخول الأطفال أقل من ستة أشهر إلى المستشفيات بسبب صعوبات التنفس. المشكلة أن الجهاز المناعي للطفل في هذا العمر غير مكتمل، وأي عدوى تنفسية شديدة قد تتحول سريعًا إلى تهديد مباشر للحياة.

العالم لم يكتشف فيروسًا جديدًا، بل بدأ يدرك حجم الخسائر التي كان يتعامل معها طويلًا باعتبارها أمرًا عابرًا.

ما حجم المشكلة عالميًا؟ وهل الأرقام فعلًا مقلقة؟

الأرقام صادمة بكل المقاييس. نحن نتحدث عن نحو 33 مليون إصابة سنويًا بين الأطفال على مستوى العالم، يدخل منهم أكثر من 3.5 مليون طفل إلى المستشفيات، بينما تتجاوز الوفيات 100 ألف حالة سنويًا. الأخطر أن النسبة الأكبر من هذه الوفيات تحدث في الدول ذات الموارد المحدودة، حيث تقل الحضّانات، ويتأخر الوصول إلى الرعاية الطبية المتخصصة.

هذه ليست إحصاءات نظرية، بل واقع نراه كل شتاء داخل أقسام الأطفال وحدات الطوارئ.

الجديد الذي يُثار حاليًا هو تطعيم الحوامل ضد RSV… كيف يحمي الجنين؟

نحن أمام نقلة علمية حقيقية. عندما تحصل الأم الحامل على التطعيم في الشهر السابع أو الثامن، يبدأ جسدها في تكوين أجسام مضادة قوية ضد الفيروس، وهذه الأجسام تنتقل عبر المشيمة مباشرة إلى الجنين.

النتيجة أن الطفل يُولد محميًا خلال أخطر فترة في حياته، وهي أول ستة أشهر بعد الولادة، وهي الفترة التي يكون فيها الفيروس أكثر شراسة وأكثر قدرة على إحداث مضاعفات خطيرة.

هل هذا المفهوم-تطعيم الام لحماية الجنين- جديد على الطب؟

لا، وهذا مهم جدًا توضيحه. تطعيم الحوامل ليس فكرة طارئة. نحن نُطعّم السيدات أثناء الحمل منذ سنوات ضد الإنفلونزا وضد فيروس كورونا، لحماية الأم، وكان التركيز على صحة الام الحامل ، الجديد هنا أن الهدف الأساسي من التطعيم أصبح حماية الطفل بعد الولادة، وليس فقط حماية الأم أثناء الحمل.

هذا التطور يعكس نضجًا في علم طب الأم والجنين، وليس مغامرة أو إجراءً تجريبيًا، بل فهو توجة عالمي لان صحة الطفل تبدأ قبل الولادة.

هل التطعيم يمنع الإصابة أم يقلل المضاعفات فقط؟

الدراسات تؤكد أن التطعيم يقلل شدة المرض ومضاعفاته بشكل كبير جدًا. وحتى إذا أُصيب الطفل، تكون الأعراض أخف، ونادرًا ما يحتاج إلى حضّانة أو رعاية مركزة.

ببساطة: التطعيم لا يمنع الفيروس من الوجود، لكنه يمنع أن يتحول إلى سبب للوفاة.

لماذا لا يزال بعض أطباء النساء مترددين في طرح هذا التطعيم؟

للأسف بسبب وجود فجوة بين التخصصات. طبيب النساء يتابع الحمل، وطبيب الأطفال يتعامل مع المضاعفات بعد الولادة، وبين الاثنين قد تضيع حلقة الوقاية. كثير من أطباء النساء لم يشاهدوا بأعينهم حالات RSV الشديدة داخل الحضّانات، فيقل إدراك حجم الخطر.

وهنا تظهر أهمية التكامل بين التخصصات والتعليم الطبي المستمر.

كيف يرتبط ذلك بمبادرة «الألف يوم الذهبية»؟

مبادرة الألف يوم الذهبية تعكس فهمًا علميًا دقيقًا بأن أول ألف يوم في حياة الإنسان – بدءًا من الحمل – هي التي تشكّل صحته طوال العمر. خلال هذه الفترة تتكون المناعة، والجهاز العصبي، والقدرة التنفسية، والاستعداد للأمراض المزمنة.

حين نحمي الجنين من عدوى خطيرة مثل RSV قبل أن يولد، نحن لا ننقذ حياة فقط، بل نمنع إعاقات تنفسية مزمنة، ونقلل الضغط على الحضّانات، ونحمي مستقبل الطفل الصحي.

ما الرسالة التي توجهها للأمهات والأطباء؟

للأمهات أقول: لا تنتظري ظهور الأعراض. الوقاية ليست رفاهية، بل حق لطفلك.

وللأطباء أقول: العلم يتقدم، ومسؤوليتنا أن نترجمه إلى ممارسة تحمي الأرواح، لا أن نتوقف عند ما اعتدنا عليه.

حماية الطفل تبدأ قبل أن يولد، ومن رحم أم واعية يولد مجتمع أكثر صحة.

الخلاصة

تطعيم الحوامل ضد الفيروس التنفسي المخلوي ليس إجراءً إضافيًا، بل تحولًا في فلسفة الطب الوقائي. وبين أم تحصل على التطعيم في الشهر الثامن، وطفل يدخل الحضّانة في الشهر الثاني، قد تكون هذه الحقنة هي الفارق بين الحياة والموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top