سمنة الأطفال في مصر: وباء صامت يفتح باب السكري وأمراض القلب مبكرًا

سمنة الأطفال في مصر: وباء صامت يفتح باب السكري وأمراض القلب مبكرًا

في شوارع مزدحمة، ومدارس تحيطها إعلانات الوجبات السريعة والمشروبات المُحلّاة، تتحرك سمنة الأطفال بهدوء شديد. لا ضجيج، ولا إنذارات حادة، لكن أثرها يتراكم عامًا بعد عام. لم تعد القصة “زيادة وزن بسيطة” تُحلّ مع الطول، بل مسار يبدأ في الطفولة، وقد ينتهي بأمراض الكبار قبل أن يصل الطفل إلى الجامعة: سكري من النوع الثاني، ضغط الدم، اضطرابات الدهون، ومشكلات القلب.

لهذا تضع منظمة الصحة العالمية سمنة الأطفال ضمن أخطر تحديات الصحة العامة اليوم؛ لأن الطفل البدين غالبًا ما يستمر بدينًا في الكِبر، ويبدأ رحلة الأمراض غير السارية في سن أصغر بكثير مما اعتادته المجتمعات سابقًا.

ماذا تقول الأرقام عالميًا؟

الصورة العالمية لم تعد قابلة للتجميل، في عام 2022، كان نحو 391 مليون طفل ومراهق (من 5 إلى 19 عامًا) يعيشون مع زيادة الوزن حول العالم، من بينهم 163 مليونًا يعانون السمنة. وعلى مستوى الأعمار الأصغر، تشير تقديرات حديثة إلى أن 35.5 مليون طفل دون الخامسة كانوا زائدين في الوزن خلال عام 2024.

هذه الأرقام لا تعكس “إفراطًا في الأكل” فقط، بل تحوّلًا في معنى سوء التغذية نفسه: لم يعد نقص الطعام هو المشكلة الوحيدة، بل فائض سعرات رخيصة، فقيرة في القيمة الغذائية، تملأ المعدة وتُرهق الجسد.

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: السباق في الاتجاه الخطأ

لم تعد منطقتنا استثناءً، بحسب بيانات يونيسف، بات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أعلى مناطق العالم في انتشار زيادة الوزن والسمنة بين الأطفال والمراهقين (5–19 عامًا). وفي إنذار إقليمي حديث، أشارت المنظمة إلى أن 52 مليون طفل ومراهق تحت 19 عامًا في المنطقة يعيشون مع زيادة الوزن أو السمنة، من بينهم 22 مليونًا يعانون السمنة.

الأكثر صدمة أن انتشار السمنة في الفئة العمرية 5–19 ارتفع من 7.5% إلى 16% خلال الفترة بين 2000 و2022، وهو من أسرع معدلات الارتفاع عالميًا. وحتى في إقليم شرق المتوسط الأوسع، يعاني نحو 7% من الأطفال دون الخامسة زيادة في الوزن.

مصر: أرقام تحذيرية… وطفولة مُثقلة

في مصر، تُظهر المؤشرات مسارًا تصاعديًا مقلقًا.

فبين عامي 2000 و2016، ارتفعت زيادة الوزن بين الأطفال والمراهقين (5–19 عامًا) من 22.6% إلى 36.7%، بينما ارتفعت السمنة في الفئة نفسها من 9% إلى 17.6%. وتضع هذه النسب مصر ضمن أعلى دول المنطقة في انتشار زيادة الوزن بين الأطفال خلال تلك الفترة.

أما الأطفال دون الخامسة، فتشير تقديرات حديثة إلى أن نحو 15.7% منهم يعانون زيادة الوزن، مع مؤشرات على أن البلاد ليست على المسار الصحيح لوقف هذا الارتفاع.

هذه الأرقام لا تعني أن “كل طفل بدين”، لكنها تعني أن السمنة لم تعد حالة فردية، بل اتجاه مجتمعي يضغط مستقبلًا على المدارس، والعيادات، واقتصاد الصحة.

ما الذي تصنعه السمنة في أجساد الأطفال؟

ترتبط سمنة الأطفال مبكرًا وبصورة متزايدة بـ أمراض القلب والأوعية الدموية، السكري، اضطرابات العضلات والمفاصل، وبعض السرطانات لاحقًا. وتزداد المخاطر كلما بدأت السمنة في سن أصغر واستمرت فترة أطول.

داخل البيوت، تظهر العلامات اليومية:

طفل يتحرك أقل، ينهج بسرعة، ينام بشكل أسوأ، ويعتاد الشعور بالإرهاق كأنه “طبيعي”، بينما هو في الحقيقة إشارة مرضية مبكرة.

أخطاء تغذية شائعة تصنع الأزمة بصمت

سمنة الأطفال نادرًا ما تكون نتيجة “طبق واحد”. الأخطاء تتراكم وتتحول إلى نمط حياة.

المشروبات الغازية والعصائر المُحلّاة تدخل سعرات عالية بلا إحساس بالشبع، وتدفع الطفل لتكرار الأكل. بيانات إقليمية تُظهر أن نحو نصف المراهقين شربوا مشروبًا غازيًا في يوم واحد، وأن قرابة ثلاثة أرباعهم تناولوا أكثر من عنصر سكري واحد بين طعام وشراب في اليوم نفسه.

أكل كثير… وغذاء قليل

القضية ليست كمية فقط، بل جودة. نسبة معتبرة من الأطفال الصغار لا تتناول فاكهة أو خضارًا يوميًا، ونحو 40% لا يحصلون على مصادر بروتين حيواني كافية. هنا تظهر مفارقة “طفل سمين… ناقص تغذية”.

التسويق قبل الوعي

لا يعمل الطعام وحده؛ تعمل معه الإعلانات. يتعرض المراهقون في المنطقة لنِسَب مرتفعة من تسويق الأطعمة فائقة المعالجة، التي تُقدَّم كخيار طبيعي وسهل، بينما تُقصي الخيارات الصحية.

لماذا تتفاقم السمنة؟

تُختصر المشكلة علميًا في اختلال الطاقة: سعرات تدخل أكثر مما يخرج.

لكن محليًا، تُضاف طبقات يومية: زحام يقلل الحركة، مدارس لا تضمن خيارًا صحيًا دائمًا، وعائلة تُكافئ الطفل بالطعام بدل اللعب.

ماذا يجب أن يتغيّر؟ من البيت إلى المدرسة

التعامل مع سمنة الأطفال ليس نصيحة عابرة من نوع “كُل أقل”، بل تغيير بيئة.

الأساس يبدأ بتقليل السكر، وزيادة الخضار والفاكهة والحبوب الكاملة، مع نشاط بدني يومي مناسب للعمر. وعلى مستوى أوسع، يصبح تنظيم تسويق الأطعمة فائقة المعالجة حول الأطفال جزءًا لا يتجزأ من الحل؛ لأن الطفل لا يختار بيئته الغذائية بوعيه الكامل.

خلاصة: بوابة مصر الصحية

سمنة الأطفال في مصر ليست “مشكلة شكل”، بل ملف صحي–اقتصادي يُكتب الآن. الأرقام تؤكد تصاعدًا واضحًا خلال العقدين الماضيين، وتُظهر أن المنطقة بأكملها وصلت إلى مستويات تُعد من الأعلى عالميًا.

الرهان لم يعد على التخويف، بل على قاعدة بسيطة وواضحة:

حين يتغيّر طعام الطفل، وحركته، وبيئته الإعلانية… يتغيّر مستقبل أمراضه، قبل أن يدفع ثمنًا لا يجب أن يدفعه في سن صغيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top