المرض النفسي: “شخص من كل 7” لا يعيش حياته طبيعيًا

المرض النفسي: “شخص من كل 7” لا يعيش حياته طبيعيًا

ليسوا قلة، وليسوا استثناءً، وليسوا “حالات فردية”.

بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، هناك 1.1 مليار إنسان يعيشون مع اضطراب نفسي في عام 2021، أي ما يعادل شخصًا من كل سبعة أشخاص على كوكب الأرض. رقم لا يترك مساحة للإنكار، ولا يسمح باعتبار المرض النفسي هامشًا أو رفاهية كما تصفه بعض الثقافات.

هؤلاء لا يعيشون حياتهم بشكل طبيعي. بعضهم يستيقظ يوميًا وهو مثقل بقلق لا يُرى، أو حزن لا يجد له تفسيرًا، أو خوف دائم من المستقبل، أو فقدان قدرة على الاستمتاع بأبسط تفاصيل الحياة. ورغم ذلك، يواصل كثيرون منهم أداء أدوارهم الاجتماعية في صمت، وكأن شيئًا لا يحدث.

الأرقام لا تجامل: القلق والاكتئاب في الصدارة

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن اضطرابات القلق والاكتئاب تتصدر قائمة الاضطرابات النفسية عالميًا.

وفي تحديثات المنظمة الصادرة بنهاية صيف 2025، قُدِّر عدد المصابين بالاكتئاب بنحو 332 مليون شخص حول العالم، فيما يُعد القلق الاضطراب الأكثر شيوعًا، مع تقديرات وصلت إلى 359 مليون شخص في عام 2021. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المعاناة، بل تكشف عن خريطة ضغط نفسي عالمي تتفاقم فيها المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية، بينما لا تنمو خدمات الصحة النفسية بنفس الوتيرة، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

ما الذي يعنيه أن يكون “شخص من كل 7” مريضًا نفسيًا؟

يعني أن المرض النفسي لم يعد حالة استثنائية، بل واقعًا يوميًا داخل البيوت، والمدارس، وأماكن العمل.

يعني أن زميلك في المكتب، أو الجار، أو الطالب في الفصل، أو حتى رب الأسرة، قد يكون واحدًا من هؤلاء، ولا يتمكنون من الحياة بشكل طبيعي،او حتي لهم لحق فى فرص علاج مجانية.

وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن هذه الاضطرابات لا تؤثر فقط على الصحة النفسية، بل تنعكس مباشرة على الصحة البدنية، والإنتاجية، والعلاقات الاجتماعية، وتزيد من مخاطر أمراض القلب، واضطرابات المناعة، والسلوكيات الخطرة، وحتى الوفاة المبكرة.

مصر: انتشار ملحوظ… ووصمة لا تزال حاضرة

على المستوى المحلي، تكشف بيانات منشورة عن إقليم شرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية، استنادًا إلى عينة منزلية كبيرة من البالغين المصريين (18–64 عامًا)، أن انتشار الاضطرابات النفسية في مصر قُدِّر بنحو 16.93%.

أي أن ما يقرب من شخص واحد من كل ستة بالغين يعاني اضطرابًا نفسيًا بدرجات متفاوتة، مع بروز اضطرابات القلق والمزاج ضمن الأكثر شيوعًا.

ورغم أن هذه النسبة ليست بعيدة عن المتوسطات العالمية، فإن الفارق الحقيقي يظهر في كيفية التعامل مع المرض. فثقافة الوصمة، والربط بين المرض النفسي والضعف أو “الجنون”، لا تزال حاضرة بقوة، ما يدفع كثيرين إلى تأجيل طلب المساعدة أو تجنبها تمامًا.

أزمة علاج… لا أزمة مرض فقط

المشكلة لا تكمن في انتشار المرض وحده، بل في الفجوة العلاجية.

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن نسبة كبيرة من المصابين بالاضطرابات النفسية لا يتلقون أي علاج، أو يحصلون على علاج غير كافٍ. وفي بعض الدول، لا يتلقى سوى أقل من 30% من المصابين بالقلق أو الاكتئاب خدمات علاجية منتظمة.

في السياق المصري، تتداخل عدة عوامل: محدودية الخدمات المتخصصة مقارنة بحجم الاحتياج، التركّز الجغرافي للمستشفيات النفسية، نقص الأطباء النفسيين في بعض المحافظات، إضافة إلى العبء المادي للعلاج، خاصة مع عدم تغطية عدد من الاضطرابات النفسية بشكل كافٍ ضمن مظلات التأمين أو العلاج على نفقة الدولة.

حين يتحول الصمت إلى خطر

الأخطر أن تجاهل المرض النفسي لا يُبقيه ثابتًا، بل يسمح له بالتفاقم.

الاكتئاب غير المعالج قد يقود إلى العزلة، أو الإدمان، أو فقدان القدرة على العمل، أو التفكير في إيذاء النفس. والقلق المزمن قد يتحول إلى نوبات هلع، أو اضطرابات جسدية حقيقية، أو انهيار وظيفي وأسري.

وتشير تقارير الصحة العالمية إلى أن الاضطرابات النفسية تُعد من أكبر أسباب فقدان سنوات العمر الصحية (DALYs) عالميًا، أي السنوات التي يعيشها الإنسان وهو غير قادر على أداء حياته بشكل طبيعي.

هل نحن أمام وباء صامت؟

كل المؤشرات تقول نعم،

وباء لا ينتقل بالعدوى، بل بالضغوط، والعزلة، وتسارع الإيقاع، وانهيار شبكات الدعم الاجتماعي، وانتشار خطاب يروّج للقطيعة بدل الاحتواء، وللقسوة بدل التعاطف.

ورغم ذلك، لا يزال المرض النفسي يُعامل كقضية ثانوية، أو مؤجلة، أو “غير مرئية”، في وقت تؤكد فيه الأدلة أن الاستثمار في الصحة النفسية ليس رفاهية، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية وصحية.

الخلاصة: حين لا يعيش واحد من كل سبعة حياته

أن يكون شخص من كل سبعة غير قادر على عيش حياته بشكل طبيعي، فهذا ليس رقمًا عابرًا، بل إنذارًا عالميًا.

الصحة النفسية ليست شأنًا فرديًا، بل مرآة لصحة المجتمع كله. وكل تأخير في الاعتراف بها، أو الاستثمار فيها، يدفع ثمنه الأفراد، والأسر، والاقتصاد، والدولة.

ربما آن الأوان أن نتعامل مع المرض النفسي كما هو:

مرض حقيقي… يحتاج اعترافًا، ورعاية، وسياسات، قبل أن يتحول الصمت إلى خسارة جماعية لا تُحصى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top