بقلم: رجاء ناجي
بهـدوء، ومن دون أرقام صادمة أو عناوين مرتفعة الصوت، يمكن القول إن ارتفاع معدلات الفقر في مصر لم يعد قضية دخل فقط، بل أصبح قضية صحة بامتياز.
فكل تراجع في القدرة الاقتصادية للأسرة، يقابله مباشرة تراجع في قدرتها على العلاج، أو تأجيله، أو تحمّله بشق الأنفس حتى تتحول الأزمة الصحية إلى أزمة مالية ممتدة.
اقرأ ايضاً: “بهدوء”… بقلم: رجاء ناجي
المرض لا يختار توقيته، ولا يراعي ميزانيات البيوت.
لكن الواقع يقول إن تكاليف العلاج—من فحوصات وأدوية وجراحات—باتت أحد أهم الأسباب التي تدفع أسرًا كاملة إلى ما دون خط الأمان الاقتصادي. شخص كان مستقرًا قد يجد نفسه بعد مرض مزمن أو جراحة كبرى أمام ديون، أو بيع ممتلكات، أو استدانة طويلة الأجل. وهنا لا يكون الفقر نتيجة كسَل، بل نتيجة مرض.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى منظومة التأمين الصحي الشامل باعتبارها مشروعًا خدميًا عاديًا، أو رفاهية يمكن تأجيلها، بل هي حل لا خيار عنه في لحظة اقتصادية دقيقة. فالمنظومة، في جوهرها، ليست فقط لتقديم علاج، بل لتقديم حماية اجتماعية، تمنع انزلاق الأسر من الاستقرار إلى العوز بسبب فاتورة صحية طارئة.
الخبرات الدولية واضحة:
الدول التي لم تستثمر في أنظمة تأمين صحي شاملة، دفعت الثمن في صورة فقر أعمق، وفجوات اجتماعية أوسع، ومواطنين يُجبرون على الاختيار بين العلاج أو متطلبات الحياة الأساسية.
والعكس صحيح: كل توسع في التغطية الصحية، هو توسع في الأمان الاجتماعي.
من هنا، يصبح التوسع في منظومة التأمين الصحي الشامل—جغرافيًا وبشريًا—ضرورة وطنية.
ويصبح تطوير برامج العلاج على نفقة الدولة، وتكاملها مع التأمين الصحي، خطوة مكملة لا غنى عنها، لضمان ألا يُترك أي مواطن خارج مظلة الرعاية بسبب الدخل أو الموقع الجغرافي.
المعادلة بسيطة لكنها حاسمة:
• علاج بلا حماية مالية = فقر مؤجل
• حماية صحية شاملة = استقرار مجتمعي
ولهذا، فإن الاستثمار في الصحة لم يعد بند إنفاق، بل استثمار في منع الفقر، وفي الحفاظ على ما تبقى من الطبقة المتوسطة، وفي حماية الأسر الهشّة من السقوط الكامل.
بهـدوء أيضًا، يمكن القول إن المرحلة القادمة لا تحتمل التردد.
لا مجال إلا الحماية المجتمعية،
ولا أداة أكثر فاعلية منها اليوم من نظام صحي عادل، شامل، ومستدام… يحمي الإنسان قبل أن يحمي الأرقام.


