المضادات الحيوية تحت المجهر، الاستخدام الرشيد ضرورة لحماية الصحة العامة ومنع مقاومة البكتيريا

المضادات الحيوية تحت المجهر، الاستخدام الرشيد ضرورة لحماية الصحة العامة ومنع مقاومة البكتيريا

تمثل المضادات الحيوية أحد الأعمدة الأساسية في منظومة الرعاية الصحية الحديثة، لما لها من دور محوري في علاج العدوى البكتيرية وحماية حياة الملايين.

غير أن التوسع غير المنضبط في استخدامها خلال العقود الأخيرة دفع المؤسسات الصحية الدولية والوطنية إلى إعادة النظر في سياسات تداولها، في ظل تزايد التحذيرات من تنامي ظاهرة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، وما تحمله من تداعيات صحية واقتصادية بعيدة المدى.

اقرأ ايضاً: المضادات الحيوية… سلاح ينقذ الحياة وقد يهددها

رؤية منظمة الصحة العالمية

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن المضادات الحيوية تُستخدم حصريًا لعلاج العدوى البكتيرية، ولا تمتد فعاليتها إلى الأمراض الفيروسية الشائعة مثل نزلات البرد أو الإنفلونزا. وتشير المنظمة إلى أن الاستخدام غير الرشيد لهذه الأدوية يسهم في إضعاف فعاليتها، ويؤدي إلى تطور سلالات بكتيرية مقاومة يصعب علاجها بالوسائل التقليدية.

وتضع المنظمة مقاومة المضادات الحيوية ضمن قائمة التهديدات العالمية للصحة، مؤكدة أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب سياسات وقائية طويلة الأمد، تقوم على التشخيص الدقيق، والاختيار العلمي للعلاج، والمتابعة المستمرة.

مقاومة المضادات الحيوية: تحدٍ صحي متصاعد

تعرف مقاومة المضادات الحيوية بأنها قدرة بعض أنواع البكتيريا على التكيف مع الأدوية المصممة للقضاء عليها، ما يقلل من فاعلية العلاج، ويؤدي إلى إطالة مدة المرض وارتفاع معدلات المضاعفات. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن هذه الظاهرة تمثل عبئًا متزايدًا على النظم الصحية، خاصة في الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وفي هذا السياق، تحذر المنظمة من أن استمرار الأنماط الحالية في استخدام المضادات الحيوية قد يؤدي إلى فقدان عدد من الأدوية الأساسية قدرتها العلاجية خلال سنوات قليلة، ما يفرض أعباء إضافية على الخدمات الصحية.

تصنيف AWARE… إطار علمي للاستخدام الأمثل

ضمن جهودها التنظيمية، أطلقت منظمة الصحة العالمية تصنيفًا علميًا للمضادات الحيوية يعرف باسم AWaRe، ويقسمها إلى ثلاث فئات رئيسية:
فئة الإتاحة (Access) باعتبارها خط العلاج الأول،
وفئة المراقبة (Watch) التي تتطلب استخدامًا أكثر حذرًا،
وفئة الاحتياطي (Reserve) التي تُخصص للحالات الحرجة فقط.

ويهدف هذا التصنيف إلى دعم صناع القرار والفرق الطبية في اختيار العلاج المناسب، بما يحد من الإفراط في استخدام المضادات الحيوية واسعة الطيف.

التحرك الوطني: دور هيئة الدواء المصرية

في إطار التزام الدولة المصرية بتعزيز الأمن الصحي، تبنت هيئة الدواء المصرية حزمة متكاملة من السياسات التنظيمية الهادفة إلى ترشيد استخدام المضادات الحيوية، بما يتوافق مع المعايير الدولية.

وشملت هذه السياسات إصدار الدليل القومي للمضادات الميكروبية، ووضع إرشادات وطنية لمراقبة استخدامها داخل المستشفيات، إلى جانب تنظيم استخدام المضادات الحيوية في الجراحات والإجراءات الوقائية. كما أصدرت الهيئة قرارات تحدد ضوابط صرف بعض الفئات الدوائية، خاصة المضادات الحيوية ذات الأهمية الحرجة، لضمان استخدامها في الإطار الطبي السليم.

تكامل الأدوار داخل المنظومة الصحية

تؤكد السياسات الصحية الحديثة أن ترشيد استخدام المضادات الحيوية مسؤولية تشاركية، تتكامل فيها أدوار الأطباء والصيادلة والمؤسسات الصحية، إلى جانب وعي المواطنين.

فالالتزام بالبروتوكولات العلاجية، وعدم صرف الدواء دون وصفة، والالتزام بالجرعات المقررة، تمثل عناصر أساسية في حماية فاعلية هذه الأدوية.

كما يبرز الدور التوعوي للإعلام في دعم المفاهيم الصحيحة للاستخدام الرشيد، بما يسهم في تعزيز الثقافة الصحية العامة.

أخيرا

إن الحفاظ على فاعلية المضادات الحيوية لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها اعتبارات الصحة العامة واستدامة الخدمات الطبية. ومن خلال السياسات التنظيمية المتوازنة، والتنسيق مع التوجهات الدولية، تواصل الدولة المصرية جهودها لضمان الاستخدام الآمن والعادل للمضادات الحيوية، بما يحفظ حق المريض في العلاج، ويصون مكتسبات الطب الحديث للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top