بقلم – رجاء ناجي
رئيس التحرير
بهدوء يليق بحجم التحول، وبمنطق دولة تعرف ماذا تريد، بدأت ملامح رؤية صحية جديدة تتشكل في مصر، رؤية لا تقوم على رد الفعل، ولا تنتظر لحظة التطبيق لتتحرك، بل تبني الطريق قبل الوصول إليه.
لأول مرة، نرصد على أرض الواقع فكرة التكامل المؤسسي في إدارة المنظومة الصحية، لا كشعار سياسي، بل كممارسة عملية واضحة.
أي منشأة صحية تُطوَّر اليوم – سواء عبر وزارة الصحة، أو مبادرات رئاسية مثل “حياة كريمة”، أو مشروعات قومية – نجدها تحمل شعار هيئة الرعاية الصحية ومنظومة التأمين الصحي الشامل، حتى قبل دخول المحافظة رسميًا للمنظومة.
قد يبدو الأمر تفصيلاً إداريًا، لكنه في الحقيقة يعكس تحولًا جذريًا في فلسفة التخطيط الصحي.
الدولة لم تعد تعمل بمنطق: “نصلح عند الدخول”، بل أصبحت تتحرك وفق رؤية استباقية:
نُطور قبل الدخول.
والدليل الأوضح على ذلك ما شهدناه مع انطلاق المرحلة الثانية من تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل.
حينها فوجئ كثيرون بأن وحدات الرعاية الأولية والمراكز الصحية كانت جاهزة بالفعل،
تحمل شعار الهيئة،
تعمل بمعايير الجودة،
وتدار بنظم تشغيل حديثة.
والمثير للاهتمام أن هذا النموذج لم يقتصر على المحافظات التي دخلت المنظومة رسميًا،
بل امتد إلى قرى مصرية لم تدخل بعد،
نجد فيها وحدات صحية تم تطويرها وفق نفس المعايير، وتحمل نفس الشعار،
كأن الدولة تقول للمواطنين بصمت وطمأنينة:
الحلم قادم… والاستعداد بدأ من الآن.
هذه الرؤية الشاملة لم تكن موجودة من قبل.
في السابق، كانت المشروعات الصحية تتحرك بشكل منفصل:
وزارة هنا،
مبادرة هناك،
مشروع قومي في مكان آخر،
دون إطار موحد يحكم الجودة أو التشغيل.
اليوم، نحن أمام مشهد مختلف تمامًا:
• توحيد معايير الجودة
• إخضاع المنشآت لشروط الاعتماد مبكرًا
• تدريب الأطقم الطبية على نظم حديثة
• إدخال الحوكمة والتحول الرقمي
• توحيد فلسفة الإدارة
كل ذلك يحدث قبل الإعلان الرسمي لدخول المنظومة.
وهنا جوهر التحول الحقيقي:
الدولة لم تعد تتعامل مع التأمين الصحي الشامل كمشروع مرحلي،
بل كـ إصلاح هيكلي طويل الأمد.
الأهم من ذلك أن هذه الرؤية تحمل رسالة طمأنة واضحة للمواطنين:
تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل لن يتوقف لأي ظروف اقتصادية.
هو قرار دولة… لا برنامج حكومة.
ومسار إصلاحي لا رجعة فيه.
في وقت تمر فيه المنطقة والعالم بتحديات اقتصادية كبرى،
تواصل مصر الاستثمار في البنية الصحية،
وتستعد مبكرًا لكل مرحلة،
وكأنها تقول:
الصحة ليست رفاهية… بل أمن قومي.
أن ترى شعار هيئة الرعاية الصحية على وحدة صحية في قرية لم تدخل المنظومة بعد،
يعني أن الدولة لا تنتظر الإعلان الرسمي،
بل تزرع الثقة مبكرًا،
وتبني الجاهزية بهدوء.
هذه ليست مشروعات منفصلة،
بل خطة دولة تسير بخطى ثابتة،
تجمع بين:
• الرؤية السياسية
• التخطيط الفني
• التنفيذ المؤسسي
• والالتزام الزمني
نعم، الطريق طويل،
والتحديات كبيرة،
لكن ما نراه اليوم هو لأول مرة:
إدارة منظومة صحية بعقل الدولة لا بعجلة اللحظة.
وبهدوء،
نستطيع أن نقول بثقة:
ما يحدث ليس تجميلاً للواجهة،
بل إصلاحًا حقيقيًا من الجذور.
إصلاح نلمسه في القرى قبل المدن،
وفي الوحدات الصغيرة قبل المستشفيات الكبرى،
وفي الشعار المعلّق على الباب قبل الخدمة داخل الغرفة.
الحلم لم يعد بعيدًا…
والطريق إليه لم يعد غامضًا…
نحن نسير فيه بالفعل.
وبهدوء


