من عادة يومية إلى ملف يستحق الانتباه الصحي
لم تعد القهوة في مصر مجرد مشروب مرتبط بالروتين الصباحي أو السهر الليلي، بل تحوّلت فعليًا إلى عنصر يومي واسع الانتشار، يتقاطع بشكل مباشر مع قضايا الصحة العامة، والإنتاجية، وأنماط الحياة. وفي ظل ما تواجهه الدولة من تحديات صحية متراكمة، يفرض هذا الانتشار الواسع للقهوة تساؤلًا مشروعًا: هل نتعامل معها بوصفها عادة اجتماعية فقط، أم كعامل مؤثر يستحق إدارة صحية واعية؟
القهوة ونمط الحياة المصري
يعاني المجتمع المصري من اختلالات واضحة في نمط الحياة، تشمل:
• السهر المزمن
• ضعف جودة النوم
• الاعتماد المفرط على المنبهات
• ارتفاع معدلات التوتر الوظيفي
وفي هذا السياق، أصبحت القهوة أداة تعويضية غير مباشرة عن الإرهاق، لا جزءًا من نظام صحي متوازن. فبدل أن تكون وسيلة دعم للتركيز، تحوّلت لدى قطاع واسع إلى محاولة لمقاومة آثار السهر وسوء التنظيم اليومي، وهو ما يضعها في قلب معادلة الصحة العامة، لا على هامشها.
القهوة والإنتاجية… علاقة معقّدة
من منظور السياسات العامة، لا يمكن تجاهل أن القهوة تساهم في رفع اليقظة الذهنية وتحسين الأداء قصير المدى، وهو أمر بالغ الأهمية في بيئة عمل تعتمد على الجهد الذهني المكثف، سواء في الجهاز الإداري للدولة أو القطاع الخاص.
غير أن الاعتماد المفرط على القهوة كبديل عن النوم الكافي والراحة المنظمة، يؤدي على المدى المتوسط إلى:
• تراجع التركيز الحقيقي
• زيادة معدلات القلق
• اضطرابات النوم
• انخفاض الكفاءة العامة
وهي نتائج تتعارض مع أهداف الدولة في رفع كفاءة العنصر البشري وتحسين جودة العمل.
القهوة وأمراض العصر
تواجه مصر عبئًا صحيًا متزايدًا يتمثل في:
• أمراض القلب
• ارتفاع ضغط الدم
• السكري
• أمراض الكبد
وتشير الأدبيات الطبية إلى أن القهوة، عند تناولها باعتدال، قد تساهم في تقليل بعض المخاطر، خاصة فيما يتعلق بالسكري من النوع الثاني وصحة الكبد. لكن هذه الفوائد مشروطة بسلوك صحي مصاحب، وهو ما يفتقده الواقع اليومي في كثير من الأحيان، حيث تُستهلك القهوة:
• بكميات كبيرة
• مصحوبة بكميات مرتفعة من السكر
• وفي أوقات متأخرة من الليل
وهو ما يحوّل المشروب من عنصر محتمل للدعم الصحي إلى عامل ضغط إضافي على المنظومة الصحية.
أين تقف سياسات الصحة العامة؟
حتى الآن، لا تحظى القهوة بموقع واضح في خطاب التوعية الصحية الرسمي، رغم انتشارها الواسع وتأثيرها المباشر على النوم، والضغط، والصحة النفسية.
وفي الوقت الذي تبذل فيه الدولة جهودًا كبيرة لمواجهة الأمراض المزمنة وتحسين نمط الحياة، تبرز الحاجة إلى:
• إدماج التوعية بالاستهلاك الآمن للمنبهات ضمن الحملات الصحية
• ربط القهوة بثقافة النوم الصحي وليس مقاومة النوم
• تصحيح المفاهيم الشائعة حول علاقتها بالطاقة والإجهاد
فالصحة العامة لا تُدار فقط عبر المستشفيات، بل عبر إدارة العادات اليومية.
القهوة وبناء الإنسان
في إطار مشروع الدولة لـ«بناء الإنسان»، لا يمكن إغفال أن العادات الصغيرة ذات الانتشار الواسع تصنع أثرًا تراكميًا كبيرًا. والقهوة، بوصفها مشروبًا يوميًا لملايين المصريين، تمثل نموذجًا واضحًا لذلك.
فالوعي بالاستخدام المعتدل، وتوقيت الشرب، وتقليل السكر، كلها تفاصيل بسيطة، لكنها تنعكس مباشرة على:
• جودة النوم
• الصحة النفسية
• القدرة على العمل
• كفاءة الجسد على المدى الطويل
خلاصة تحليلية
القهوة في مصر ليست مشكلة صحية، لكنها قد تتحول إلى مؤشر على خلل أعمق في نمط الحياة إذا تُركت دون وعي. وبين فنجان يدعم التركيز، وآخر يكرّس الإرهاق، يبقى التحدي الحقيقي أمام السياسات الصحية هو تحويل العادة إلى سلوك واعٍ، يخدم الإنسان بدل أن يستنزفه.



