تجارة الأعضاء في مصر.. قانون صارم وسوق سوداء لا ترحم المرضى

تجارة الأعضاء في مصر.. قانون صارم وسوق سوداء لا ترحم المرضى

في أحد مشاهد مسلسل «لا ترد ولا تستبدل» تبدو الكُلى كأنها “سلعة” تُنقل من جسد إلى جسد، ومع أن الدراما قد تُبالغ أحيانًا، إلا أنها فتحت بابًا مسكوتًا عنه: كيف يتحول احتياجٌ طبي حقيقي إلى سوقٍ سوداء لتجارة الاعضاء ؟ ولماذا يشعر بعض المرضى أن طريقهم إلى زرع كُلى أو كبد أو قرنية أطول من أن يُحتمل، بينما ينجح “سماسرة” في ترتيب الأمور خلال أسابيع؟

هذا التحقيق لا يتهم جهة بعينها، ولا يُصدر أحكامًا قضائية، لكنه يضع الأسئلة الصعبة على الطاولة: أين تقف مصر من خريطة نقل وزراعة الأعضاء؟ وكيف تعمل المنظومة قانونيًا؟ وأين تتسرب منها المخاطر التي تفتح باب الاستغلال، خاصة للفقراء وبعض المهاجرين واللاجئين؟ وما الذي جعل دولًا قريبة مثل السعودية تتقدم في برامج الزراعة، خصوصًا من المتوفين؟

أولًا: لماذا تتحول زراعة الأعضاء إلى “سوق” في الأصل؟

القاعدة العالمية واضحة: الطلب أكبر بكثير من العرض. هذا الخلل هو الوقود الأساسي لأي اتجار. وثّقت أدبيات دولية مرتبطة بإعلان إسطنبول لمكافحة الاتجار بالأعضاء و”سياحة الزرع” أن هذا النوع من الاتجار استغل فجوات الفقر واليأس، وأنه ظاهرة عابرة للحدود تحتاج شفافية ورقابة ونُظم تبرع فعّالة تقلل “الجوع للأعضاء”.

حين يطول انتظار المريض، وحين تُستنزف الأسرة بين جلسات غسيل الكلى وتكاليف العلاج، يصبح عرض “متبرع مقابل مال” مغريًا للبعض، ومدمرًا للبعض الآخر. الأخطر أن المتبرع الفقير غالبًا لا يدخل الصفقة وهو يفهم طبيًا ما الذي سيفقده، ولا اجتماعيًا ما الذي سيكسبه فعلًا.

The LifePort Kidney Transpared )

ثانيًا: “الأزمة”ليست كُلى فقط.. لكن الكُلى هي بوابة الحكاية

الكُلى هي أكثر الأعضاء حضورًا في سوق الزرع عالميًا لأن الفشل الكلوي النهائي شائع، ولأن التبرع من حي ممكن. وفي مصر، يوضح استعراض علمي حديث عن أمراض الكُلى أن عدد مرضى الغسيل الكلوي كان “أكثر من 100 ألف” (كمرجع تاريخي لعام 2016) وأن كثيرين ينتظرون الزرع، كما يشير إلى تحديات كبيرة مثل غياب سجل قومي شامل لبعض الملفات المرتبطة بالرعاية والغسيل والزرع.

هذه الفجوة بين الاحتياج والقدرة على توفير زرع منظم وعادل هي التي تخلق “مساحة رمادية”؛ مساحة لا تبدأ بجريمة بالضرورة، لكنها قد تنتهي بها إذا دخل المال والإكراه والخداع.

ثالثًا: ماذا يقول القانون.. وأين تتعثر الممارسة؟

المبدأ القانوني الحاكم في مصر، كما تلخصه مراجع قانونية وعلمية تناولت الإطار المصري، يقوم على أن التبرع يجب أن يكون مجانيًا وبإرادة حرة وموثقة، مع ضوابط ولجان تمنع الاتجار، وتفضيل واضح للتبرع بين الأقارب، ووجود عقوبات مشددة ضد المخالفات. 

لكن “قوة النص” وحدها لا تصنع سوقًا نظيفًا. السوق النظيف يحتاج ثلاثة أشياء عملية لا غنى عنها:

         1.     نظام تبرع بعد الوفاة يعمل فعليًا وبثقة مجتمعية.

         2.     سجل وطني شفاف للقوائم والنتائج.

         3.     رقابة صارمة على مسارات الإحالة واللجان، مع حماية للفقير من أن يتحول إلى “خيار علاجي” للغير.

هنا تظهر الفكرة الحساسة: إذا كان التبرع المجاني شرطًا قانونيًا، فكيف نضمن أن “المجانية على الورق” لا تُغطي “مقابلًا تحت الطاولة”؟ هذه هي عقدة الاتجار في معظم دول العالم: الجريمة ليست في غرفة العمليات فقط، بل في ما قبلها.

Kidney transplant in the urology,

رابعًا: “الوصية” والتبرع بعد الوفاة.. الحلقة الأهم التي ما زالت أضعف مما ينبغي

في الدول التي قطعت شوطًا في زراعة القلب والرئة والكبد من متوفين، نجحت لأنها بنت منظومة تبرع بعد الوفاة (خصوصًا بعد الوفاة الدماغية) مع ثقة عامة، وإجراءات واضحة، وتنسيق عالي بين العناية المركزة وفرق الزراعة وبنوك الأعضاء.

في مصر، ما زال السؤال يتكرر داخل المجتمع: هل التبرع بعد الوفاة “مطبق فعلاً” بالشكل الذي يخلق وفرة آمنة وعادلة؟ هذا السؤال لا يُجاب بخطاب توعوي فقط، بل بإتاحة معلومات رسمية دورية: كم حالة تبرع بعد الوفاة تمت؟ كم عضوًا تم زرعه؟ ما متوسط الانتظار؟ ما نسب النجاح؟ حين تغيب هذه الأرقام عن المجال العام، يملأ الفراغَ سماسرةُ الأمل… أو سماسرةُ اليأس.

خامسًا: المريض بين “طابور” العلاج و”إغراء” الحل السريع

تجربة المريض عادة تبدأ طبيًا وتنتهي اجتماعيًا. جلسات الغسيل ليست مجرد علاج؛ هي نمط حياة قاسٍ، يلتهم الوقت والقدرة على العمل ويستنزف الأسرة. ومع طول المعاناة يظهر السؤال القاتل: لماذا لا أجد متبرعًا من عائلتي؟ ولماذا يطلب “المتبرع” المقابل؟

هنا يدخل عامل الخداع: بعض الوسطاء يعِدون بمُتبرع “قريب على الورق”، أو بمستندات “تمشي”، أو بلجنة “تعدي”. وهذه بالضبط المنطقة التي تتحول فيها المنظومة الأخلاقية إلى صفقة. والمفارقة أن الضحية قد تكون طرفين معًا: مريض يائس، ومتَبرع فقير يعتقد أنه يشتري “فرصة نجاة اقتصادية”، ثم يكتشف أنه دفع من صحته أكثر مما قبض من مال.

سادسًا: المهاجرون واللاجئون.. هشاشة تُستغل

تحقيقات صحفية دولية ناقشت اتجارًا عابرًا للحدود استغل فقر لاجئين ومهاجرين، بما في ذلك قصص مرتبطة بمصر في سياق أوسع عن “الطلب على الكُلى” واستغلال الهشاشة الاقتصادية.

حتى مع اختلاف كل حالة على حدة، الرسالة واحدة: كلما زادت هشاشة الشخص (لا أوراق، لا تأمين، لا دعم، لا معرفة بحقوقه) صار هدفًا أسهل. وخطورة هذا الملف أنه قد يتقاطع مع جرائم أخرى: تزوير، اتجار بالبشر، ابتزاز، وإيذاء جسدي. لذلك لا يكفي أن نقول “التبرع مجاني”؛ يجب أن يكون لدينا آليات حماية فعلية تمنع الفقير من الوقوع في الفخ قبل أن يصل إلى أي لجنة.

سابعًا: لماذا السعودية تزرع أكثر؟ درس “التبرع المنظم” لا درس “المال”

على موقع المركز السعودي لزراعة الأعضاء توجد لوحة إحصاءات تعرض نشاط الزراعة من المتبرعين الأحياء ومن المتوفين، بما يعكس وجود بنية متابعة ونشر بيانات عامة عن الزرع. 

الفكرة ليست المقارنة الرقمية فقط، بل ما وراء الرقم: الدول التي تنجح في خفض الاتجار ترفع من التبرع “المنظم” عبر نظام وطني متماسك، وتعلن بياناتها بشفافية، فتقل مساحة السوق السوداء. لأن المريض عندما يثق أن الطابور عادل ويتحرك، يقل استعداده للمخاطرة بصفقة مجهولة.

Kidney transplant in the urology,

ثامنًا: القرنية والكبد والرئة… لماذا يجب أن نوسّع زاوية النظر؟

الدراما ركزت على الكُلى، لكن الاحتياج الحقيقي أوسع. القرنية تُعيد البصر، والكبد ينقذ مريض تليف أو فشل كبدي، والرئة قد تكون الفارق بين الحياة والموت. وكل عضو “يصعب تعويضه” يرفع قيمة السوق السوداء ويزيد خطر الاستغلال.

التحقيق هنا يقترح سؤالًا بسيطًا: هل نحن نبني “منظومة زراعة أعضاء” أم ندير “عمليات زراعة متفرقة”؟ الفرق بينهما هو ما يصنع العدالة ويغلق أبواب الاتجار.

تاسعًا: أين يبدأ الحل؟ خمس نقاط تقطع الطريق على “تجارة اليأس”

الحل ليس شعارًا واحدًا، بل حزمة إصلاحات متدرجة:

         1.     تفعيل قوي وشفاف للتبرع بعد الوفاة مع بروتوكولات واضحة للوفاة الدماغية، وتدريب فرق العناية المركزة، وخط ساخن وطني للتنسيق.

         2.     سجل وطني مُعلن لقوائم الانتظار والنتائج، حتى يعرف المواطن أن العدالة ليست كلامًا.

         3.     رقابة ذكية على “ما قبل اللجنة” لأن الاتجار غالبًا يُصنع في لحظة التعارف والوساطة لا في غرفة العمليات.

         4.     حماية اجتماعية واقتصادية للفئات الهشة (ومنها بعض المهاجرين واللاجئين) حتى لا يصبح بيع العضو “خطة معيشة”.

         5.     قصة توعوية جديدة: ليست “لا تبيع عضوًا”، بل “لا تسمح أن يصبح جسدك عملة”، مع تعريف الناس بعلامات الاحتيال، وطرق التحقق من الترخيص، وحقوق المريض والمتبرع.

سؤال أخلاقي قبل أن يكون طبيًا

زراعة الأعضاء قمة إنسانية في الطب: جسد ينقذ جسدًا. لكن حين يدخل المال من الباب الخلفي تتحول القمة إلى هاوية. المطلوب في مصر ليس فقط تشديد العقوبة (وهو مهم)، بل بناء منظومة تجعل “الطريق القانوني” هو الطريق الأسرع والأكثر عدلًا، حتى لا يضطر المريض للبحث عن حل في الظل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top