كيف تبدأ الأزمة قبل الميلاد وتستمر مدى الحياة؟
تتصاعد معدلات السمنة بين الأطفال بصورة مقلقة في المجتمع المصري، حتى أصبحت ظاهرة صحية تستدعي النظر إليها ليس باعتبارها زيادة وزن مؤقتة، بل كمرض مزمن يؤثر على صحة الطفل ويسبب مضاعفات خطيرة تمتد إلى مرحلة البلوغ. هذا التحقيق يستعرض كيف تبدأ السمنة في مراحل مبكرة، حتى قبل الولادة، وكيف يمكن أن تستمر لتُشكّل تهديدًا صحيًا طويل الأمد.
اقرأ ايضاً: سمنة الأطفال في مصر: وباء صامت يفتح باب السكري وأمراض القلب مبكرًا

من الرحم تبدأ الحكاية
تشير الدراسات الحديثة إلى أن زيادة وزن الأم أثناء الحمل ليس مجرد تغير شكلي مؤقت، بل له تأثيرات عميقة على تمايز خلايا الدهون لدى الجنين وعلى مسارات الأيض في مراحله الأولى من الحياة. الأجنة الذين يتعرضون لبيئة تحتوي على نسب مرتفعة من السكر والدهون أثناء الحمل، أو الذين تنتمي أمهاتهم لفئة السمنة، يكونون أكثر عرضة لاكتساب وزن زائد منذ الطفولة، بل وتزداد احتمالات إصابتهم بالسمنة في سن المراهقة والبلوغ.
وهنا يبدأ تأثير العامل الوراثي جنبًا إلى جنب مع البيئة ونمط الحياة. الوراثة تمهد الطريق، لكن السلوك الغذائي والبيئة المحيطة هما من يفعّلان هذه الجينات. السمنة تتحول إلى سجل صحي يبدأ قبل خروج الطفل إلى الحياة.
الرضاعة الطبيعية درع وقائي مبكر
يبدأ أول خط دفاع ضد السمنة منذ اللحظات الأولى للطفل، حيث أظهرت الأبحاث أن الرضاعة الطبيعية لا تمنح الغذاء فقط، بل تنظم إشارات الشبع والجوع في الدماغ لدى الرضيع، وتقلل من احتمالات الإفراط في الأكل لاحقًا. الأطفال الذين يرضعون طبيعيًا يتمتعون بمعدلات أقل للإصابة بالسمنة مقارنة بمن يعتمدون على الحليب الصناعي، ليس بسبب السعرات فقط، بل بسبب التوازن الهرموني الذي توفره الرضاعة الطبيعية ويؤثر في تنظيم التمثيل الغذائي مستقبلًا.

الطفولة المبكرة نقطة التحول
في مرحلة ما قبل المدرسة والسنوات الأولى من التعليم، يبدأ الأطفال الذين اكتسبوا وزنًا زائدًا في تراكم الدهون الحشوية داخل البطن، وهي أخطر أنواع الدهون لأنها تحفّز الالتهابات المزمنة وترتبط بأمراض القلب وترفع مخاطر السكري وبعض أنواع السرطان. تشير بيانات حديثة إلى أن نحو 35 بالمئة من أطفال المرحلة الابتدائية في مصر يعانون من زيادة وزن أو سمنة، بينما ترتفع النسبة بشكل أكبر في مرحلة المراهقة.
السمنة بوابة الأمراض المزمنة
المراهق المصاب بالسمنة يواجه واقعًا صعبًا، إذ تزيد احتمالات أن يستمر وزنه الزائد إلى مرحلة البلوغ، كما ترتفع فرص إصابته بمضاعفات صحية مبكرة. من أبرز هذه المضاعفات مرحلة ما قبل السكري، حيث يكون مستوى السكر أعلى من الطبيعي دون الوصول بعد إلى تشخيص المرض، إلى جانب زيادة خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب واضطرابات الدهون في الدم والكبد الدهني.
حين تبدأ هذه الاضطرابات في سن المراهقة، تصبح السيطرة عليها أكثر صعوبة في مراحل العمر اللاحقة، ما يحول الطفل إلى مريض مزمن في سن مبكرة.
الكبد الدهني خطر صامت
من أكثر المضاعفات المقلقة للسمنة لدى الأطفال والمراهقين مرض الكبد الدهني غير الكحولي، وهو تراكم الدهون داخل خلايا الكبد الذي قد يتطور إلى التهاب ثم تليف وربما سرطان الكبد في بعض الحالات. الدراسات تشير إلى أن سبعة من كل عشرة أطفال يعانون من السمنة لديهم كبد دهني أيضًا، ولم يعد هذا المرض حكرًا على البالغين.
العلاقة بين السمنة والكبد الدهني وثيقة للغاية، إلى درجة أن علاج السمنة أصبح من أهم وسائل الوقاية والعلاج للكبد الدهني نفسه، حيث يؤدي فقدان الوزن إلى تحسين وظائف الكبد بل وعكس الحالة المرضية في كثير من الأحيان.
السمنة والسكري علاقة متشابكة
ترتبط السمنة ارتباطًا مباشرًا بزيادة خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، خاصة في الأعمار الصغيرة، حيث تؤدي زيادة كتلة الجسم إلى ارتفاع مقاومة الإنسولين في الجسم. في مصر وحدها يعيش أكثر من 14 مليون شخص مصاب بالسكري، ويُقدّر أن ملايين آخرين في مرحلة ما قبل السكري.
تشير الأبحاث إلى أن علاج السمنة المبكر يمكن أن يخفض خطر الإصابة بالسكري بنسبة تصل إلى 84 بالمئة خلال عام واحد، وهو رقم يعكس أهمية التدخل المبكر قبل الوصول إلى مرحلة المرض المزمن.
التأثير النفسي والاجتماعي
لا تتوقف مضاعفات السمنة عند الجانب الجسدي فقط، بل تمتد إلى الصحة النفسية والاجتماعية. الأطفال المصابون بالسمنة أكثر عرضة للقلق والاكتئاب وضعف الصورة الذاتية والتنمّر المدرسي، إضافة إلى تراجع الأداء الدراسي والاجتماعي والعزلة عن الأنشطة الحركية والرياضية. بعض الدراسات تشير إلى ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية لدى الأطفال السمينين بنسبة تصل إلى 60 بالمئة مقارنة بأقرانهم من أصحاب الوزن الطبيعي.
التدخل المبكر هو الحل
لأن السمنة مرض مزمن يبدأ مبكرًا، فإن السيطرة عليه تتطلب رؤية متكاملة تبدأ من تغذية الأم أثناء الحمل، مرورًا بالرضاعة الطبيعية، ثم متابعة وزن الطفل دوريًا وتعليمه عادات غذائية صحية ونشاطًا بدنيًا منتظمًا. وفي الحالات التي تستدعي تدخلًا طبيًا، يؤكد الأطباء أن العلاج يجب أن يتم تحت إشراف متخصصين للحد من المضاعفات.
يشدد الخبراء على أن فقدان الوزن ليس حلًا سحريًا، بل خطوة أولى في رحلة طويلة تتطلب دعم الأسرة والمجتمع ومتابعة طبية مستمرة.
خاتمة بوابة مصر الصحية
السمنة عند الأطفال لم تعد مجرد زيادة وزن، بل مرض تتشابك فيه العوامل الوراثية والبيئية والسلوكية، وتبدأ غالبًا قبل الولادة وتمتد آثارها لعقود. القضية لم تعد فردية تتعلق بطعام الطفل أو نشاطه فقط، بل أصبحت ملف صحة عامة يحتاج إلى استراتيجيات وقائية تبدأ من الأسرة وتصل إلى المدرسة والمجتمع والدولة.
السمنة عند الأطفال قضية اليوم، والأمل يبدأ بخطوة وعي مبكرة.
اقرأ ايضاً: من الحقن إلى الأقراص: معركة الشركات الكبرى على مليارات مرضى السمنة



