أزمة جديدة تهز قطاع الصيدلة في مصر، بعد قرارات هيئة الدواء المصرية الخاصة بتنظيم التركيبات الصيدلية، والتي فجّرت حالة غضب واسعة بين الصيادلة، وفتحت بابًا واسعًا للجدل حول حدود التنظيم ومشروعيته القانونية. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الهيئة أن القرار لا يفرض أي رسوم جديدة ولا يمس التركيبات المعمول بها داخل الصيدليات، يرى الصيادلة أن الصياغة الغامضة للقرار تمثل تهديدًا مباشرًا للمهنة، وقد تتحول إلى أداة جديدة لفرض الأعباء المالية عليهم في وقت تعاني فيه الصيدليات من أزمات متراكمة.
اقرا ايضًا: نقيب الصيادلة.. يرفض قرارات هيئة الدواء بفرض رسوم على الصيادلة: مخالفة صريحة للقانون وتدمير للمهنة
آخر نقيب منتخب للصيادلة، محيي إبراهيم، خرج في فيديو مصور ليعلن رفضه القاطع للقرار، مؤكدًا أن التركيبات حق أصيل للصيدلي بنص قانون مزاولة المهنة رقم 127 لسنة 1955، وأن الصيدليات لا تمارس أي تركيبات عالية الخطورة تحتاج إلى تعقيم كامل أو تدخل في الحقن الوريدي أو تحتوي مواد سامة أو مسرطنة، مشددًا على أن هذه الأنواع من التركيبات غير موجودة أصلًا داخل الصيدليات. وأضاف أن القرار يقيد الصيادلة ويُلزمهم بسداد رسوم تبدأ من 10 آلاف جنيه للتقديم وتصل إلى 40 ألف جنيه لمجرد ممارسة نشاط هو في الأصل جزء من عملهم القانوني، معتبرًا ذلك تدميرًا ممنهجًا لمهنة الصيدلة.
وقال إبراهيم إن الصيدلي خبير في التركيب والتجزئة والتعبئة وفقًا للقانون، ولا يحتاج إلى تصريح إضافي لممارسة عمله، معتبرًا أن ما يحدث هو فرض جباية جديدة تحت مسمى التنظيم، مضيفًا: “ناضلنا واعتصمنا وطالبنا بإنشاء هيئة الدواء لتنصف الصيادلة لا لتحولهم إلى مصدر دخل”. وأشار إلى أن الصيادلة يعانون أصلًا من خسائر كبيرة داخل الصيدليات، ونقص الأدوية، وارتفاع الإيجارات والتكاليف التشغيلية، فضلًا عن الضرائب والتأمينات والقيمة المضافة التي يدفعونها للدولة، مؤكدًا أن المهنة لم تعد تحتمل مزيدًا من الضغوط.
ووجّه إبراهيم رسالة مباشرة إلى رئيس الجمهورية مطالبًا بالتدخل لإنقاذ مهنة الصيدلة، مؤكدًا أن النقابة التي تضم أكثر من 350 ألف صيدلي تعاني من الغياب والتعطيل، ما أدى إلى انفلات الأوضاع داخل القطاع، كما خاطب رئيس هيئة الدواء قائلًا: “أنت صيدلي قبل أن تكون مسؤولًا، ولم نطالب بإنشاء الهيئة لتفرض رسوما على زملائنا بل لتنظم السوق وتحمي المهنة”.
رد هيئة الدواء”..لا رسوم على التركيبات الحالية”
في المقابل، أصدرت هيئة الدواء المصرية بيانًا رسميًا أكدت فيه أن القرار رقم 868 لسنة 2025 لا يتعلق بالتركيبات الصيدلية الحالية التي يتم تحضيرها داخل الصيدليات المرخصة، وأنه لن يتم تحصيل أي مقابل خدمات أو مبالغ مالية لمزاولة هذا النشاط القائم بالفعل وفقًا لقانون 127 لسنة 1955. وأوضحت الهيئة أنه سيتم نشر كافة التفاصيل الخاصة بطبيعة التركيبات المشار إليها في القرار خلال فترة تطبيق الدليل التنظيمي في منشورات لاحقة.
ورغم هذا التوضيح، لم ينجح البيان في تهدئة غضب الصيادلة، الذين اعتبروا أن غموض الصياغة يفتح الباب أمام تفسيرات مستقبلية قد تفرض قيودًا جديدة عليهم، خاصة في ظل غياب ضمانات واضحة تحمي حقهم القانوني في ممارسة التركيبات الدوائية.
النقابات المهنية تدخل على الخط
أعلنت نقابة صيادلة المنوفية متابعتها للقرار، وطالبت بإلغائه أو إعادة صياغته بشكل واضح يمنع أي تفسير خاطئ أو تأثير سلبي على ممارسة المهنة، مؤكدة تمسكها الكامل بحقوق الصيادلة وحرصها على استقرار المنظومة الصيدلية.
كما أصدر نادي صيادلة مصر بيانًا شديد اللهجة، اعتبر فيه أن القرار تعامل مع الصيدليات باعتبارها وحدات تصنيع دوائي صناعي، وهو توصيف غير صحيح قانونيًا ولا مهنيًا. وقال الدكتور محمد عصمت رئيس النادي وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الصيادلة العرب، إن قانون مزاولة المهنة ما زال نافذًا ولم يُلغَ أو يُعدل، وإن المادة 32 منه تنص صراحة على أحقية الصيدلي في تحضير وصرف التركيبات الدستورية داخل الصيدلية دون اشتراط تحويلها إلى مصنع دواء.
وأضاف عصمت أن تحميل الصيدليات اشتراطات وتكاليف أقرب للمصانع يخرج عن فلسفة القانون ويخلق واقعًا مشوهًا لا يخدم لا المريض ولا الدولة، محذرًا من أن فرض رسوم مرتفعة قد يؤدي إلى إقصاء الصيدليات الصغيرة والمتوسطة، ورفع تكلفة الخدمة على المواطن، وتقليص الدور العلاجي للصيدلي.
وطالب رئيس نادي الصيادلة بتشكيل لجنة محايدة لمراجعة القرار تضم جهات قانونية وممثلي المجتمع المدني والنقابة المهنية، وإصدار دليل فني إرشادي لا يتعارض مع القانون، مع تصنيف التركيبات حسب الخطورة والإبقاء على التركيبات البسيطة داخل الصيدليات، وقصر عالية الخطورة على كيانات متخصصة دون المساس بأصل حق الصيدلي.
تصريح جديد لمحيي إبراهيم…”القرار يكبّل الصيادلة ماليًا”
وفي أحدث تصريحاته تعقيبًا علي بيان هيئة الدواء، أكد محيي إبراهيم أن التركيبات التي تحتاج تعقيمًا كاملًا أو تدخل في الحقن الوريدي أو تحتوي مواد سامة أو مسرطنة غير موجودة داخل الصيدليات، مشددًا على أن القرار يقيّد الصيادلة ويفرض عليهم رسومًا ضخمة تبدأ من 10 آلاف جنيه للتقديم و40 ألف جنيه للممارسة، وهو ما وصفه بأنه تكبيل مالي للصيادلة.
وأضاف أن الصيدلي خبير في التركيب والتجزئة بنص القانون، ولا يوجد أي نص قانوني يشترط الحصول على تصريح لممارسة هذه المهام، معتبرًا أن القرار محاولة لفرض أمر واقع يخالف التشريع القائم.
بين التنظيم وحماية المهنة
الجدل الدائر يعكس أزمة أعمق داخل قطاع الصيدلة، بين رغبة الدولة في تنظيم سوق الدواء وضمان الجودة، وبين خوف الصيادلة من أن يتحول التنظيم إلى عبء مالي يهدد استقرار آلاف الصيدليات الصغيرة والمتوسطة. فالصيدلي اليوم يقف في الصف الأول للرعاية الصحية، يقدم المشورة والدواء للمواطن، ويواجه نقص الأدوية وارتفاع التكاليف وضعف هوامش الربح، ومع ذلك يجد نفسه في مواجهة قرارات جديدة تزيد من أعبائه.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تستطيع الدولة تحقيق التوازن بين ضبط المنظومة الدوائية وحماية مهنة تضم أكثر من 350 ألف صيدلي؟
وهل تتحول هيئة الدواء إلى مظلة تنظيمية عادلة، أم تصبح عبئًا إضافيًا على من يفترض أنها وُجدت لخدمتهم؟ وهل يكون قرار عقاب لاحد الشركات يطبق على الجميع ؟!
التحقيق مفتوح على تطورات قادمة، لكن المؤكد أن المعركة الحالية لن تكون الأخيرة، في ظل غياب نقابي واضح وتصاعد الأزمات داخل واحدة من أهم المهن الصحية في مصر.



