طعنات خلف الشاشة”.. التنمر الإلكتروني: خطر صامت يهدد صحة الأطفال والمراهقين

طعنات خلف الشاشة”.. التنمر الإلكتروني: خطر صامت يهدد صحة الأطفال والمراهقين

تقرير – بوابة مصر الصحية

لم يعد المنزل هو “الحصن الآمن” للطفل؛ ففي عصر التحول الرقمي، أصبح الجلاد يرافق الضحية إلى غرفته، يهمس في أذنها عبر الشاشات، ويلاحقها في أدق تفاصيل حياتها. التنمر الإلكتروني (Cyberbullying) لم يعد مجرد “سلوك مراهقين” طائش، بل سلوك متكرر ومقصود يهدف إلى الإيذاء والتشهير والتخويف، ويستدعي استجابة مجتمعية وصحية شاملة،

 فقد تحول التنمر الالكتروني إلى أزمة صحة عامة معقدة، تتقاطع فيها الصحة النفسية مع التطور التكنولوجي والعدالة الرقمية، في مشهد وصفه خبراء علم النفس بأنه “الاغتيال المعنوي العابر للحدود”.

ما هو التنمّر الإلكتروني؟

وفق تعريف “اليونيسف“، فإن التنمّر عبر الإنترنت هو استخدام التقنيات الرقمية لإلحاق الأذى بالآخرين، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو تطبيقات المراسلة، أو منصات الألعاب، أو الهواتف المحمولة. ويشمل ذلك نشر الشائعات، أو الصور المحرجة، أو إرسال رسائل تهديد أو سباب، أو انتحال الشخصية، أو التحرش الجنسي، بل وامتد حديثًا إلى إساءات باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

الخطورة هنا لا تكمن فقط في الفعل نفسه، بل في الأثر الدائم؛ إذ يترك التنمّر الرقمي ما يُعرف بـ«البصمة الرقمية»، التي قد تلاحق الضحية نفسيًا واجتماعيًا حتى بعد توقف الإساءة.

و تشير اليونيسف إلى أن التمييز بين المزاح والتنمر ليس دائمًا سهلًا، خصوصًا في العالم الرقمي حيث تغيب نبرة الصوت وتعبيرات الوجه. إلا أن القاعدة الفاصلة واضحة:

إذا تسبب السلوك في ضيق أو حزن أو شعور بالإهانة، واستمر رغم طلب التوقف، فهو تنمّر وليس مزاحًا.

ويزداد الأمر سوءًا عندما يتحول إلى هجوم جماعي أو اهتمام غير مرغوب فيه من غرباء، ما يضاعف الإحساس بالعجز والعزلة.

الأرقام تتحدث: خارطة الإيذاء الرقمي عالمياً

تكشف البيانات الصادرة عن اليونسكو و منظمة الصحة العالمية عن أرقام تعكس حجم المأساة التي تدور خلف الرموز التعبيرية والرسائل المشفرة:

  انتشار واسع: واحد من كل ثلاثة طلاب حول العالم (حوالي 33%) تعرض للتنمر من قبل أقرانه، بينما تصل نسبة ضحايا التنمر الإلكتروني تحديداً إلى 15.5% في بعض المجتمعات المتقدمة رقمياً.

 * الفجوة الجندرية: تشير التقارير إلى أن الفتيات أكثر عرضة للتنمر الإلكتروني المرتبط بالسمعة والمظهر بنسبة 1.3 مرة مقارنة بالفتيان.

 * الخطر الوجودي: الضحايا الذين يتعرضون للتنمر الرقمي هم أكثر عرضة بـ 9 أضعاف للإصابة بأفكار انتحارية، و بمرتين للإصابة باضطرابات القلق الحاد والاكتئاب السريري.

سيكولوجية “البصمة السوداء”: لماذا التنمر الرقمي أخطر؟

خلافاً للتنمر التقليدي الذي ينتهي بقرع جرس المدرسة، يتميز التنمر الإلكتروني بخصائص تجعله “أكثر فتكاً” بالصحة النفسية:

 * الانتشار اللحظي والدائم: المحتوى المسيء لا يختفي؛ بل يترك “بصمة رقمية” قد تلاحق الضحية لسنوات، مما يخلق شعوراً بـ “التعرض الدائم للإيذاء”.

 * غياب التعاطف: خلف الشاشة، لا يرى المتنمر ألم ضحيته، مما يزيل “الحواجز الأخلاقية” ويزيد من حدة العنف اللفظي.

 * التخفي والذكاء الاصطناعي: برزت مؤخراً ظاهرة “التزييف العميق” (Deepfakes)، حيث تُستخدم صور الأطفال لإنتاج محتوى إباحي أو مسيء كاذب، مما يضع الضحية في حالة صدمة نفسية لا يمكن علاجها بسهولة.

المشهد الإقليمي والمصري: فجوة الوعي والرقابة

في منطقة الشرق الأوسط، ينمو استخدام الإنترنت بمعدلات تفوق نمو “الثقافة الرقمية”، مما خلق بيئة خصبة للتنمر:

 * في مصر: مع وجود أكثر من 80 مليون مستخدم للإنترنت، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن 25% إلى 30% من المراهقين المصريين تعرضوا لشكل من أشكال التحرش أو التنمر عبر الإنترنت.

 * الصمت القاتل: أكثر من 40% من الأطفال المصريين لا يبلغون والديهم عند تعرضهم للتنمر، خوفاً من “العقاب الرقمي” (سحب الهاتف) أو لعدم ثقتهم في قدرة الأهل على فهم التكنولوجيا.

التداعيات الصحية: عندما يصرخ الجسد من الألم النفسي

لا يقتصر أثر التنمر على “الحزن”، بل يمتد ليصبح مرضاً عضوياً ملموساً:

 * اضطرابات النوم (Insomnia): يعاني 60% من الضحايا من كوابيس وأرق مزمن.

 * الأعراض السيكوسوماتية: صداع متكرر، آلام غير مبررة في المعدة، وفقدان الشهية نتيجة ارتفاع مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر) بشكل دائم.

 * التراجع المعرفي: انخفاض التحصيل الدراسي بنسبة تصل إلى 20% نتيجة تشتت الانتباه والانسحاب الاجتماعي.

المظلة التشريعية في مصر: القانون في مواجهة الشاشة

مصر لم تقف مكتوفة الأيدي؛ حيث وضع المشرع المصري إطاراً حازماً لمواجهة هذه الظاهرة:

 * قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (رقم 175 لسنة 2018): يعاقب بالحبس والغرامة كل من اعتدى على المبادئ أو القيم الأسرية أو انتهك حرمة الحياة الخاصة.

 * قانون التنمر (رقم 141 لسنة 2021): غلظ العقوبات لتصل إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة تصل إلى 100 ألف جنيه إذا وقعت الجريمة من شخصين أو أكثر، أو كان الفاعل من أصول المجني عليه.

روشتة النجاة: كيف نحمي أطفالنا؟

تؤكد بوابة مصر الصحية أن الحل يبدأ من “المرونة الرقمية” وليس “المنع”:

 * بناء جسور الثقة: يجب أن يشعر الطفل بأن “الإبلاغ” لن يتبعه “عقاب بحرمانه من الإنترنت”.

 * التربية الرقمية: تعليم الأطفال الفرق بين “النقد” و”التنمر”، وكيفية استخدام خاصية “الحظر” (Block) و “الإبلاغ” (Report) فوراً.

 * التوثيق: الاحتفاظ بـ “لقطات الشاشة” (Screenshots) كدليل قانوني قبل حذف المحتوى المسيء.

 * التدخل المهني: عند ملاحظة علامات الانعزال أو تغير السلوك، يجب اللجوء فوراً لمستشار نفسي متخصص لإعادة بناء الثقة بالنفس.

الخلاصة

التنمر الإلكتروني هو “الوجه المظلم” للتقدم التكنولوجي. حماية أطفالنا منه ليست مسؤولية “تقنية” فحسب، بل هي مسؤولية أخلاقية وصحية مشتركة. الإنترنت نافذة للتعلم، ومهمتنا هي التأكد من أنها لا تتحول إلى فخ لكسر أرواحهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top