“الدهون التي تقتل بصمت” الكبد الدهني… وباء العصر الذي يزحف بهدوء إلى أجساد الملايين

“الدهون التي تقتل بصمت”                                                                                                                       الكبد الدهني… وباء العصر الذي يزحف بهدوء إلى أجساد الملايين

تقرير-بوابة مصر الصحية

بينما ينشغل العالم بالأوبئة الطارئة والأمراض المعدية، يتقدّم مرض صامت بخطى ثابتة داخل أجساد البشر، مستهدفًا أحد أهم أعضاء الجسم وأكثرها حيوية: الكبد. إنه مرض الكبد الدهني، الذي لم يعد حالة فردية مرتبطة بالسمنة فقط، بل تحوّل إلى وباء عالمي يهدد الصحة العامة، ويضع الشرق الأوسط ومصر في قلب العاصفة.

الكبد الدهني لا يعلن عن نفسه مبكرًا، ولا يطرق الباب بأعراض واضحة، لكنه حين يُكتشف متأخرًا قد يكون قد قطع شوطًا خطيرًا نحو التليّف أو الفشل الكبدي أو حتى سرطان الكبد.

اقرأ ايضًا: من الحقن إلى الأقراص: معركة الشركات الكبرى على مليارات مرضى السمنة

ما هو الكبد الدهني؟ ولماذا أصبح خطرًا عالميًا؟

يُعرف مرض الكبد الدهني بتراكم الدهون داخل خلايا الكبد بنسبة تتجاوز 5 إلى 10% من وزنه الطبيعي. في مراحله الأولى، يكون مجرد “تشحّم كبدي” بسيط، لكنه قد يتطور لدى نحو ثلث المصابين إلى التهاب كبدي دهني نشط، وهي المرحلة الأخطر التي تُمهّد الطريق للتليّف، ثم تليّف الكبد الكامل، وأحيانًا سرطان الكبد.

وفقًا لأحدث المراجعات المنشورة في The Lancet Gastroenterology & Hepatology، لم يعد الكبد الدهني مرضًا حميدًا، بل أصبح أحد الأسباب الرئيسية لزراعة الكبد عالميًا خلال العقدين القادمين، متجاوزًا في بعض الدول التهاب الكبد الفيروسي.

الشرق الأوسط في دائرة الخطر

تكشف الإحصاءات الحديثة عن مشهد مقلق:

عالميًا، يُقدَّر أن ما بين 25 و30% من سكان العالم يعانون من الكبد الدهني غير المرتبط بالكحول، أي ما يزيد على ملياري إنسان.

أما في إقليم شرق المتوسط والشرق الأوسط، فتشير دراسات وبائية منشورة في Journal of Hepatology إلى أن معدلات الإصابة تتجاوز 32% من البالغين، وهي من أعلى النسب عالميًا، بسبب الانتشار الواسع للسمنة، ومرض السكري من النوع الثاني، وقلة النشاط البدني.

في مصر، وبعد النجاح الكبير في القضاء على فيروس التهاب الكبد الوبائي “سي”، تغيّرت خريطة أمراض الكبد. وتشير تقديرات مبنية على مسوح سكانية ودراسات جامعية إلى أن ما بين 25 و30% من البالغين يعانون من درجات مختلفة من الكبد الدهني، مع زيادة مقلقة بين الأطفال والمراهقين، خاصة مع انتشار الوجبات السريعة والمشروبات المحلاة.

نمط الحياة في قفص الاتهام

لم يعد الكبد الدهني لغزًا طبيًا، فالمتهم الرئيسي معروف: نمط الحياة الحديث.

الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات، خاصة الفركتوز الموجود في المشروبات الغازية والعصائر المُحلاة، تُعد الوقود الأساسي لتراكم الدهون داخل الكبد. وتشير أبحاث حديثة إلى أن الفركتوز يُحفّز تصنيع الدهون داخل خلايا الكبد بشكل مباشر، دون المرور بآليات تنظيم الشهية.

إلى جانب ذلك، يلعب الخمول البدني دورًا محوريًا، إذ تؤدي قلة الحركة إلى انخفاض حرق الدهون وزيادة مقاومة الإنسولين، ما يدفع الجسم لتخزين الدهون في الكبد.

ويرتبط الكبد الدهني ارتباطًا وثيقًا بما يُعرف بـ«متلازمة الأيض»، التي تشمل السمنة المركزية، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول، ومرض السكري من النوع الثاني، وهي منظومة مرضية واحدة تتغذى عناصرها على بعضها البعض.

العدو الصامت: أعراض قد لا تأتي أبدًا

تكمن خطورة الكبد الدهني في أنه غالبًا بلا أعراض في مراحله المبكرة. كثير من المرضى يكتشفونه مصادفة أثناء فحوصات روتينية أو تحاليل دم.

ومع تقدم المرض، قد تظهر أعراض غير محددة مثل التعب المزمن، أو ثقل في الجانب الأيمن من البطن، أو فقدان الشهية. وفي المراحل المتقدمة، قد تظهر علامات خطيرة مثل اصفرار الجلد والعينين، وتورم البطن والساقين، واضطرابات الوعي، وهي مؤشرات على تدهور وظائف الكبد.

كيف يُشخَّص المرض؟

في كثير من الحالات، يكون ارتفاع إنزيمات الكبد أول جرس إنذار. ويُستخدم التصوير بالموجات فوق الصوتية كأداة أولية للكشف عن الدهون.

لكن التطور الأهم في السنوات الأخيرة هو استخدام جهاز «الفيبروسكان»، وهو فحص غير جراحي يقيس درجة تليّف الكبد وكمية الدهون بدقة عالية، ويُغني في كثير من الحالات عن الخزعة الكبدية.

هل هناك علاج؟ العلم يراهن على الوقاية

حتى الآن، لا يوجد دواء مُعتمد عالميًا يعالج الكبد الدهني بشكل مباشر، رغم وجود عشرات الأدوية في مراحل متقدمة من التجارب السريرية، وفق ما نشرته The New England Journal of Medicine.

لكن الخبر الجيد، الذي تُجمع عليه كل الإرشادات الطبية، هو أن الكبد الدهني من الأمراض القليلة التي يمكن عكس مسارها بالكامل إذا تم التدخل مبكرًا.

تشير الدراسات إلى أن فقدان 7 إلى 10% من وزن الجسم فقط كفيل بتقليل الدهون والالتهاب في الكبد بشكل كبير، وقد يؤدي إلى تحسن ملحوظ في التليّف المبكر.

ويؤكد الخبراء أن تقليل السكريات، وزيادة استهلاك الخضروات، والاعتماد على نمط غذائي متوسطي، مع ممارسة نشاط بدني منتظم لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا، يمثل حجر الأساس في العلاج.

أمل جديد من الأبحاث الحديثة

تشهد السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بالعلاقة بين الكبد الدهني وصحة القلب والدماغ، حيث أظهرت أبحاث أن المرض لا يقتصر خطره على الكبد، بل يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية والخرف.

كما تُجرى حاليًا دراسات على أدوية تُحسّن حساسية الإنسولين، وأخرى تستهدف الالتهاب الكبدي، إلى جانب أبحاث حول دور الميكروبيوم المعوي في تطور المرض.

الخلاصة: بوابة مصر الصحية

الكبد الدهني ليس مرضًا نادرًا، ولا مشكلة عابرة، بل هو مرآة حقيقية لنمط حياتنا الحديث. إنه وباء صامت، لكن يمكن كسر صمته بالوعي والتشخيص المبكر وتغيير العادات اليومية.

الطريق إلى حماية الكبد لا يبدأ من الصيدلية، بل من المطبخ، ومن الحركة اليومية، ومن إدراك أن الوقاية ليست رفاهية، بل ضرورة صحية عاجلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top