فيروس نيباه على أعتاب أول لقاح بشري

فيروس نيباه على أعتاب أول لقاح بشري

بعد ربع قرن من الرعب الصامت… هل ينجح العلم أخيرًا في كبح أحد أخطر الفيروسات القاتلة؟

بعد أكثر من 25 عامًا على اكتشاف فيروس نيباه، أحد أخطر الفيروسات الناشئة في العالم، يقترب المجتمع العلمي من لحظة فارقة قد تُغيّر مسار التعامل مع هذا المرض الفتاك. فقد أعلن باحثون من جامعة طوكيو عن بدء المرحلة الأولى من التجارب السريرية على البشر للقاح جديد يهدف إلى الوقاية من فيروس نيباه، في خطوة تُعد الأولى من نوعها، وتأتي في توقيت حساس مع عودة تسجيل إصابات مؤكدة في الهند وعدد من دول جنوب آسيا.

اقرأ ايضًا: السلطات الصحية الهندية تتصدى لتفشّي فيروس “نيباه” بعد تسجيل 5 حالات مرتبطة بالعدوى

هذا التطور يعيد ملف فيروس نيباه إلى واجهة الاهتمام العالمي، ليس فقط بسبب فتكه الشديد، ولكن أيضًا لكونه مدرجًا على قائمة منظمة الصحة العالمية للأمراض ذات الأولوية القصوى، لما يحمله من خطر التحول إلى وباء واسع النطاق في حال تطوره أو انتشاره بشكل غير مسيطر عليه.

Blood sample tube positive with Nipah virus test

ما هو فيروس نيباه؟ ولماذا يثير كل هذا القلق؟

فيروس نيباه هو فيروس حيواني المنشأ، ينتقل في الأساس من الحيوانات إلى الإنسان، ويُعد من الفيروسات النادرة شديدة الخطورة. تم اكتشافه لأول مرة عام 1998 خلال تفشٍ وبائي في ماليزيا، ومنذ ذلك الحين سُجّلت بؤر تفشٍ متكررة في الهند وبنغلاديش.

المستودع الطبيعي الرئيسي للفيروس هو خفافيش الفاكهة المعروفة باسم Flying Foxes، والتي يمكن أن تنقل العدوى مباشرة إلى الإنسان، أو عبر حيوانات وسيطة، مثل الخنازير. كما يمكن أن ينتقل الفيروس من إنسان إلى آخر عبر سوائل الجسم أو الرذاذ التنفسي، خصوصًا في حالات المخالطة اللصيقة داخل المنازل أو المستشفيات.

وتكمن خطورة فيروس نيباه في ارتفاع معدل الوفيات، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة الوفاة تتراوح بين 40% و75%، وهي من أعلى النسب بين الفيروسات المعروفة. كما يتميز المرض بسرعة تطوره وحدّة أعراضه، التي تشمل التهابًا حادًا في الدماغ، واضطرابات عصبية خطيرة، ومشكلات تنفسية قد تصل إلى الفشل الكامل للجهاز التنفسي، وقد تنتهي الوفاة خلال أيام قليلة من ظهور الأعراض.

لقاح ياباني بتقنية مألوفة… لكن هدفه غير مسبوق

اللقاح الجديد الذي طوّره باحثو جامعة طوكيو يعتمد على تقنية معروفة نسبيًا في عالم اللقاحات، حيث يستخدم فيروس الحصبة المُضعّف كناقل. وتقوم الفكرة على إدخال تعليمات جينية تحفّز الجسم على إنتاج بروتينات تشبه تلك الموجودة في فيروس نيباه، ما يدرّب الجهاز المناعي على التعرّف عليه والاستعداد لمواجهته في حال التعرض الحقيقي للفيروس.

هذه الاستراتيجية تمنح اللقاح ميزتين أساسيتين:

الأولى تتعلق بالأمان، نظرًا لاستخدام ناقل لقاحي خضع سابقًا لتجارب واسعة، والثانية تتعلق بسرعة الاستجابة المناعية، وهي عامل حاسم عند التعامل مع فيروس سريع التطور مثل نيباه.

ووفقًا للفريق البحثي، أظهرت الدراسات ما قبل السريرية على الحيوانات، خاصة الهامستر، نتائج واعدة من حيث الفعالية والقدرة على منع تطور المرض، دون تسجيل آثار جانبية خطيرة، وهو ما مهّد الطريق للانتقال إلى التجارب البشرية.

التجارب السريرية تبدأ… والأنظار تتجه إلى النتائج

من المقرر أن تنطلق المرحلة الأولى من التجارب السريرية للقاح في بلجيكا خلال شهر أبريل المقبل، وتركّز هذه المرحلة على تقييم سلامة اللقاح لدى المتطوعين الأصحاء، إلى جانب قياس مدى قدرته على تحفيز استجابة مناعية كافية.

وفي حال أثبت اللقاح أمانه وفعاليته الأولية، من المتوقع الانتقال إلى مراحل لاحقة تشمل أعدادًا أكبر وفئات عمرية متنوعة. كما أعلن الباحثون عن خطط لإجراء تجارب ميدانية مستقبلية في بنغلاديش خلال النصف الثاني من عام 2027، باعتبارها واحدة من أكثر الدول تعرضًا لتفشيات فيروس نيباه، حيث تُسجَّل إصابات شبه سنوية مرتبطة بعادات غذائية وبيئية محددة.

أكثر من لقاح… هل تتغير قواعد اللعبة؟

يرى خبراء الصحة العامة أن نجاح هذا اللقاح قد يمثّل نقطة تحول حقيقية في التعامل مع فيروس نيباه، ويفتح آفاقًا أوسع لمواجهة الفيروسات الناشئة. فمن شأن لقاح فعّال أن يقلل بشكل كبير من خطر تحوّل الفيروس إلى وباء عالمي، خاصة في ظل التغيرات المناخية والتوسع العمراني الذي يزيد من الاحتكاك بين البشر والحياة البرية.

كما أن هذه التجربة قد تُشكّل نموذجًا لتطوير لقاحات أخرى ضد فيروسات قاتلة لا تزال بلا علاج أو وقاية، مثل بعض فيروسات النزف الفيروسي، وتعزز قدرة العالم على الاستعداد المبكر للأوبئة المستقبلية.

الوقاية لا تزال خط الدفاع الأول

رغم التقدم العلمي، تؤكد المؤسسات الصحية الدولية أن الوقاية تبقى حجر الأساس في مواجهة فيروس نيباه حتى اعتماد أي لقاح بشكل رسمي. وتشمل الإجراءات الأساسية غسل اليدين بانتظام، وتجنب تناول الفواكه أو الخضراوات غير المغسولة، خاصة في المناطق التي تنتشر فيها الخفافيش، والامتناع عن المخالطة المباشرة للحالات المشتبه بها، واتباع إرشادات السلامة عند السفر إلى مناطق التفشي.

الخلاصة

فيروس نيباه لا يزال يمثل تهديدًا صحيًا عالميًا صامتًا، لكن دخول أول لقاح بشري مرحلة التجارب السريرية يمنح العالم بصيص أمل طال انتظاره. وبينما تستمر الوقاية في كونها خط الدفاع الأول، فإن هذا التطور العلمي قد يكون بداية نهاية واحد من أكثر الفيروسات فتكًا وغموضًا في العصر الحديث.

بوابة مصر الصحية ستواصل متابعة تطورات هذا الملف عن كثب، في ظل عالم بات أكثر وعيًا بأن الأوبئة لا تعترف بالحدود، وأن الاستثمار في العلم هو خط الدفاع الأهم عن حياة البشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top