الصحة العالمية : ملياري شخص مصابون “بمرض القطط”
لسنوات طويلة، تعامل الطب مع طفيل “توكسوبلازما غوندي” (Toxoplasma gondii)، المعروف شعبياً بـ “مرض القطط”، على أنه مستأجر هادئ؛ يدخل الدماغ، يسكن في أكياس دقيقة، ثم يدخل في سبات أبدي لا يقطعه إلا ضعف شديد في المناعة. لكن دراسة حديثة من جامعة كاليفورنيا ريفرسايد، نُشرت في دورية Nature Communications ، قلبت هذه الطاولة، كاشفة أن هذا الطفيل “لا ينام” فعلياً، بل يدير عمليات حيوية معقدة ونشطة داخل رؤوسنا.
ثلث البشرية في “قبضة” التوكسوبلازما
لا نتحدث هنا عن مرض نادر، بل عن واحد من أكثر الطفيليات نجاحاً في تاريخ البشرية. تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من ملياري شخص (نحو ثلث سكان العالم) مصابون بهذا الطفيل. وفي مصر، تشير بعض الدراسات الإحصائية المحلية إلى أن معدلات الانتشار قد تتجاوز 40% إلى 50% في بعض المناطق، نظراً لانتشار القطط الضالة وعادات تناول اللحوم المصنعة أو غير المطهية جيداً.

مفاجأة المختبر: أنماط حياة داخل الكيس الواحد
لطالما ساد الاعتقاد بأن الطفيل داخل الدماغ يتخذ شكل “البراديزويت” (Bradyzoite) الخامد. لكن باستخدام تقنية “تسلسل الحمض النووي الريبي على مستوى الخلية الواحدة”، اكتشف الباحثون حقيقة مذهلة:
* تنوع جيني نشط: الكيس الواحد في الدماغ لا يحتوي على طفيليات متطابقة، بل يضم ما يصل إلى 5 أنماط فرعية مختلفة.
* انقسام مستمر: بعض هذه الأنماط تحتفظ بقدرة منخفضة على الانقسام والنمو، مما يعني أن الطفيل يجدد نفسه باستمرار ولا يكتفي بالاختباء.
* تفاعل مناعي: هذا النشاط الخفي يجعل جهاز المناعة في حالة “استنفار هادئ” دائمة، مما قد يفسر الارتباطات الغامضة بين الإصابة المزمنة وتغيرات السلوك.
ما وراء العدوى.. هل يغير الطفيل شخصيتنا؟
هذه الدراسة تفتح الباب مجدداً لفهم التأثيرات الجانبية للتوكسوبلازما على الصحة النفسية والعقلية. تشير أبحاث سابقة إلى وجود روابط (لا تزال قيد الدراسة المعمقة) بين الإصابة المزمنة وهذا الطفيل وبين:
* زيادة السلوكيات الاندفاعية: والميل للمخاطرة.
* الارتباط بالفصام (Schizophrenia): حيث وجدت دراسات أن المصابين بالتوكسوبلازما أكثر عرضة للإصابة باضطرابات نفسية معينة بنسبة قد تصل إلى الضعف.
* إبطاء رد الفعل: مما قد يفسر إحصائيات تشير إلى أن المصابين به أكثر عرضة لحوادث السير بنسبة طفيفة.

طرق التسلل: القطط ليست المتهم الوحيد
رغم التصاق الاسم بالقطط، إلا أن “التوكسوبلازما” محترف في التسلل عبر طرق أخرى:
* اللحوم النيئة: مثل اللانشون، البسطرمة، والبرجر غير المطهو جيداً، وهي مصادر أساسية للعدوى في البيئة المصرية.
* الخضروات الملوثة: التي لم يتم غسلها جيداً بعد تعرضها لتربة ملوثة بفضلات القطط.
* انتقال رحمي: وهو الخطر الأكبر الذي يهدد الحوامل، حيث يمكن للطفيل الانتقال للجنين مسبباً تشوهات أو مشاكل في الإبصار.
روشتة “بوابة مصر الصحية” للوقاية
أمام هذه الحقائق الجديدة التي تؤكد أن الطفيل أكثر ذكاءً ونشاطاً مما تصورنا، تظل الوقاية هي الحصن الوحيد:
* الطهي التام: يجب طهي اللحوم عند درجة حرارة لا تقل عن 74 درجة مئوية لضمان قتل الأكياس الطفيلية.
* النظافة الفائقة: غسل اليدين والأدوات التي لامست اللحوم النيئة فوراً.



