شباب الاطباء يدفعون ثمن عجز المنظومة من دمهم وكرامتهم
واقعة الاعتداء الأخيرة على طبيب “مستشفى الباجور” بالمنوفية لم تكن مجرد حادث عارض، بل هي “عَرَض” لمرض عضال ينهش في جسد المنظومة الصحية. خلف جدران أقسام الطوارئ، يقف طبيب شاب بمفرده -كما حدث في الباجور حيث كان طبيب العظام الوحيد- ليواجه مئات المرضى الغاضبين، ليس بصفته معالجاً فحسب، بل ككيس رمال يتلقى صدمات نقص الإمكانيات، وعجز الأسرة، وقلة الكوادر
اقرأ ايضًا: تصريحات خطيرة من نقيب الأطباء: نزيف الهجرة وفوضى كليات الطب يهددان مستقبل القطاع الصحي في مصر
الطبيب والمريض في “خانة واحدة”
في المستشفيات الحكومية، تتحول العلاقة بين الطبيب والمريض إلى صراع “ضحية ضد ضحية”. المريض يأتي متألماً ومنهكاً، ليصطدم بنقص المستلزمات أو الزحام الشديد، وبدلاً من أن يرى “المنظومة” كمسؤول، يرى الطبيب الذي أمامه كمتهم وحيد.
والطبيب هو مجرد حلقة في سلسلة ،لكنه الحلقة الوحيدة “المرئية” للمواطن، مما يجعله يتحمل وحده ذنب تقصير لا يد له فيه.
نزيف العقول (لماذا يهاجر الأطباء؟)
تصريحات نقابة الأطباء وتقارير مجلس الوزراء تضعنا أمام أرقام لا تكذب، تشرح لماذا أصبح “المطار” هو الحلم الأول لشباب الأطباء:
حيث كشفت نقابة الأطباء أن أكثر من 11 ألف طبيب استقالوا من العمل الحكومي خلال الـ 3 سنوات الماضية فقط (بمعدل يصل لـ 12 طبيباً يومياً).
و تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن مصر لديها نحو 8.2 طبيب لكل 10 آلاف مواطن، بينما المعدل العالمي المطلوب هو 23 طبيباً لكل 10 آلاف.
والحقيقة أن أكثر من 65% من الأطباء المصريين المسجلين يعملون حالياً خارج البلاد (خاصة في دول الخليج وأوروبا).
“استقبال الطوارئ” ساحة معركة بلا تأمين
واقعة مستشفى الباجور كشفت المستور؛ طبيب واحد يغطي الاستقبال، والعمليات، والعيادات الخارجية، والرعاية المركزة في نفس الوقت
وتشير تقديرات إلى وقوع عشرات الاعتداءات شهرياً، تتراوح بين السب والقذف والضرب المبرح.
ولا تزال “المحاضر المضادة” هي السلاح الذي يكسر هيبة الطبيب، حيث يتم تحرير محضر اعتداء ضد الطبيب بمجرد أن يدافع عن نفسه، مما يجعله يقضي ليلته في القسم بدلاً من المستشفى.
تصريحات رسمية.. بين التحذير والوعود
أكد الدكتور أسامة عبد الحي أن “نقص الأطباء وضعف التأمين هما الوقود الذي يشعل نار الاعتداءات”، مشدداً على أن الطبيب المصري يعمل في ظروف “انتحارية” مهنياً.
في تصريحات سابقة، اعترف الدكتور مصطفى مدبولي بظاهرة هجرة الأطباء، مؤكداً أن الدولة تسعى لتحسين المنظومة المالية عبر “قانون كادر المهن الطبية” وزيادة بدل العدوى، لكن الأطباء يرون أن “الأمان الشخصي” قبل “الدعم المادي”.
ووفقا لتقريرنشرفي بوابة مصر الصحية، أوضح الدكتور اسامة عبد الحي نقيب الاطباء، أن معدل الأطباء في مصر لا يزال أقل بكثير من المعدل العالمي، مشيرًا إلى الحاجة لمضاعفة أعداد الأطباء العاملين داخل البلاد بشكل علمي ومدروس، مع تحقيق توزيع عادل جغرافيًا وتخصصيًا.
وكشف أن عدد الأطباء المصريين العاملين بالخارج يقترب من 100 ألف طبيب، في مقابل أقل من 90 ألف طبيب فقط على رأس العمل داخل مصر، محذرًا من استمرار هذا النزيف البشري.
وأكد أن الهجرة لا ترتبط فقط بضعف الرواتب، بل تتعلق أساسًا ببيئة العمل وفرص التعليم والتدريب وتكرار الاعتداءات على الأطباء، مشيرًا إلى أن استمرار هذه الأوضاع لا يؤدي فقط إلى زيادة الهجرة، بل يهدد بتراجع مستوى الطبيب المصري نفسه.
انهيار الخدمة
عندما يُضرب طبيب في الباجور، أو يُهان آخر في الاستقبال، تكون النتيجة فورية:
نقص التخصصات الحيوية كالعظام والطوارئ.، هجرة جماعية، الطبيب يبحث عن “الكرامة” قبل “الراتب”.، تضرر المريض، المريض الفقير هو الخاسر الأكبر، لأنه لن يجد من يعالجه في النهاية.
هل من منقذ؟
إن حماية الأطباء ليست “رفاهية”، بل هي ضرورة للأمن القومي الصحي. إن استمرار اعتبار الطبيب “كبش فداء” لعجز الإمكانيات هو المسمار الأخير في نعش المنظومة. الحل يبدأ بـ “تغليظ عقوبة الاعتداء على المنشآت الطبية” لتصبح جريمة لا يجوز فيها التصالح، وتوفير “نقاط أمن شرطية حقيقية”، وليس مجرد موظفي أمن إداري لا يملكون حماية أنفسهم.



