بقلم: رجاء ناجي
مع كل حديث عن تعديل وزاري مرتقب، تشتعل منصات التواصل الاجتماعي ودوائر الصالونات السياسية بحمى “التكهنات”.. من باقٍ في مقعده ومن سيرحل؟ من سيمسك بحقيبة كذا ومن سيودع مكتبه؟ وفي خضم هذا الضجيج حول “الأسماء”، ننسى للأسف جوهر القضية وهو “السياسات”.
اقرأ ايضًا: بهدوء.. “إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا”
إن انشغالنا بهوية الوزير القادم يجب ألا يطغى على حاجتنا الماسة لوضع استراتيجيات ملزمة وواضحة للوزارات، بعيداً عن الجولات التفقدية التي، وإن كانت مهمة، إلا أنها لا يمكن أن تكون البديل عن “نظام محاسبة” دقيق ومراقب للأداء المؤسسي، يضمن تقديم الخدمة للمواطن بعدل وكفاءة، بعيداً عن العشوائية أو الاجتهادات الفردية.
وفي ملف “الصحة” تحديداً، نحن نقف اليوم في مفترق طرق صعب لا يحتمل الرفاهية أو إضاعة الوقت. المنظومة بأكملها، من أطباء ومرضى وأطقم طبية، تنتظر “طوق النجاة” المتمثل في التأمين الصحي الشامل. هذا المشروع ليس مجرد نظام بديل، بل هو الحل الجذري لأوجاعنا المزمنة، مما يفرض ضرورة التمهيد الحقيقي له في المحافظات المنتظرة، وتجهيز بنيتها التحتية والبشرية قبل إطلاق الخدمة، لضمان استدامتها ونجاحها.
لكن الطريق نحو التأمين الشامل يصطدم بألغام لا تزال تنتظر حلولاً ناجزة؛ فظاهرة “نزيف العقول” وهجرة الأطباء المتزايدة ونقص الكوادر في تخصصات حيوية، هي قنبلة موقوتة تحتاج لبيئة عمل آمنة ولائحة أجور عادلة قبل أن نتحدث عن المباني والأجهزة. كما أن عودة شبح “قوائم الانتظار” للظهور مرة أخرى، تضعنا أمام تساؤل حتمي حول غياب آلية ثابتة لمراقبة وضبط العمل في كافة المستشفيات، آلية تتجاوز فكرة “الزيارات المفاجئة” لتكون نظاماً رقمياً وإدارياً صارماً يحاسب المقصر ويحفز المجتهد.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، لم يعد مقبولاً أن يترك المواطن فريسة لتفاوت أسعار الخدمات الطبية في القطاع الخاص، حيث يجد نفسه يطوف بين المستشفيات ليكتشف أن سعر عملية جراحية أو ليلة في الرعاية المركزة يختلف بآلاف الجنيهات بين مكان وآخر دون مبرر مفهوم. أين هي “لائحة أسعار الخدمات الطبية الموحدة”؟ لماذا لا نملك قائمة واضحة ومعلنة تضمن حق المواطن، وفي الوقت ذاته تعزز من مشروعنا القومي لـ “السياحة العلاجية” بأسعار معلنة ومنافسة تجذب العالم وتليق باسم مصر؟
نحتاج “بهدوء” إلى وزير يمتلك الجرأة لوضع نظام رقابي مؤسسي، لائحة أسعار عادلة، وخطة لإبقاء أطبائنا في وطنهم مع تعديل لائحة الاجور وتوفير بيئة أمنة لهم، مع ضمان وصول الخدمات الطبية بشكل لائق للمواطنين في كافة أنحاء الجمهورية . الأسماء قد تتغير، لكن بقاء المنظومة بلا قواعد محاسبة واضحة هو ما سيجعلنا نقف مكاننا، والمواطن، كالعادة، هو من يدفع الفاتورة.



