لم يعد التوتر النفسي مجرد شعور عابر بالإرهاق أو القلق، إذ تؤكد الأدلة العلمية المتزايدة أن الضغوط النفسية، خاصة عندما تكون شديدة أو مستمرة، قد تُحدث تغيرات بيولوجية سريعة داخل الجسم، تؤثر على القلب والأوعية الدموية، والمناعة، والنوم، وحتى عملية التمثيل الغذائي.
وكشفت دراسة مخبرية حديثة، نُشرت نتائجها في دورية Circulation Research العلمية، أن التعرض لتوتر نفسي حاد قد يؤدي خلال دقائق معدودة إلى تغيرات في الدم تجعله أكثر قابلية لتكوين الجلطات، ما يسلط الضوء على إحدى الآليات البيولوجية التي تربط بين الضغوط النفسية وأمراض القلب والأوعية الدموية.
التوتر يغيّر كيمياء الدم خلال دقائق
أظهرت الدراسة أن التوتر النفسي الحاد يؤدي إلى زيادة إنتاج ما يُعرف بـ”الجذور الحرة”، وهي جزيئات غير مستقرة ترتبط بظاهرة “الإجهاد التأكسدي”، التي تُعد أحد العوامل الرئيسية في تلف الأوعية الدموية وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.
ووجد الباحثون أن ارتفاع مستويات هذه الجزيئات يغير من خصائص الدم، بحيث يصبح أكثر استعدادًا لتكوين الجلطات خلال فترة زمنية قصيرة، دون أن يؤثر بالضرورة على كثافة الدم أو لزوجته.
اقرأ ايضًا” دراسة: الأمراض النادرة تزيد مخاطر القلق والاكتئاب
تجربة لمحاكاة الضغط النفسي
أجرى الباحثون الدراسة على مجموعة من المتطوعين الأصحاء باستخدام اختبار “ترير للضغط النفسي”، وهو أحد أكثر الاختبارات استخدامًا عالميًا لمحاكاة التوتر الحاد داخل المختبرات.
وخلال التجربة، طُلب من المشاركين إلقاء خطاب أمام لجنة تحكيم وإجراء اختبارات حسابية تحت ضغط زمني، ثم جرى تحليل عينات الدم قبل وبعد التعرض للتوتر.
وأظهرت النتائج أن التوتر أدى إلى:
* زيادة واضحة في مؤشرات الإجهاد التأكسدي.
* تكوين جلطات أكبر وأكثر كثافة.
* تنشيط مسارات تخثر الدم.
* زيادة الاستعداد البيولوجي لتكوين الجلطات.

التوتر المزمن.. خطر عالمي متزايد
لا يقتصر تأثير التوتر على اللحظات الحادة فقط، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الاضطرابات المرتبطة بالقلق والتوتر والاكتئاب تؤثر على مئات الملايين حول العالم، فيما تُظهر الدراسات أن التوتر المزمن يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة قد تصل إلى 40% مقارنة بالأشخاص الأقل تعرضًا للضغوط النفسية.
كما كشفت دراسة واسعة نشرت في The Lancet أن التعرض المستمر للضغوط النفسية يرتبط بارتفاع معدلات:
* ارتفاع ضغط الدم.
* السكتات الدماغية.
* أمراض الشرايين التاجية.
* اضطرابات النوم.
* السمنة والسكري.
ماذا يحدث للجسم أثناء التوتر؟
عند التعرض للضغط النفسي، يفرز الجسم هرمونات التوتر، وعلى رأسها الأدرينالين والكورتيزول، ما يؤدي إلى:
تسارع ضربات القلب.
ارتفاع ضغط الدم.
زيادة مستويات السكر في الدم.
اضطراب النوم.
ضعف المناعة على المدى الطويل.
زيادة قابلية الجسم للالتهابات والجلطات.
هل يعني ذلك أن يومًا عصيبًا قد يسبب جلطة؟
يشدد الباحثون على أن التعرض لموقف مرهق أو يوم عمل شاق لا يعني بالضرورة حدوث أزمة قلبية أو سكتة دماغية، فالإصابة بأمراض القلب تعتمد على تفاعل عوامل متعددة، تشمل العمر، والتدخين، والسمنة، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، والعوامل الوراثية.
لكن النتائج تؤكد أن إدارة التوتر ليست رفاهية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الوقاية من الأمراض المزمنة.

كيف نحمي أنفسنا من آثار التوتر؟
يوصي الخبراء بعدة إجراءات بسيطة أثبتت الدراسات فعاليتها، منها:
* ممارسة النشاط البدني بانتظام.
* النوم من 7 إلى 9 ساعات يوميًا.
* تقليل التعرض المستمر لمصادر الضغط.
* ممارسة تمارين الاسترخاء والتنفس العميق.
* الحفاظ على العلاقات الاجتماعية الداعمة.
* طلب المساعدة الطبية أو النفسية عند استمرار أعراض التوتر.
ويؤكد الباحثون أن فهم التأثيرات البيولوجية للتوتر قد يفتح الباب مستقبلًا أمام استراتيجيات جديدة للوقاية من أمراض القلب، لا تعتمد فقط على العلاج النفسي، بل تستهدف أيضًا التغيرات الكيميائية التي تحدث داخل الجسم تحت تأثير الضغوط النفسية.



