السمنة.. المرض الذي يقف خلف أكثر من 200 مشكلة صحية.. لماذا لم تعد مجرد زيادة في الوزن؟

تقرير خاص: بوابة مصر الصحية

لم تعد السمنة مجرد مشكلة تتعلق بالمظهر الخارجي أو زيادة في الوزن، بل أصبحت أحد أخطر الأمراض المزمنة التي تهدد الصحة العامة في العالم. ولهذا تصنفها منظمة الصحة العالمية كمرض مزمن يحتاج إلى التشخيص والعلاج والمتابعة، شأنه شأن السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.

وتكشف الإحصاءات العالمية حجم الأزمة، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 2.5 مليار شخص بالغ يعانون زيادة الوزن، بينما تجاوز عدد المصابين بالسمنة 890 مليون شخص، كما تضاعفت معدلات السمنة عالميًا أكثر من مرتين منذ عام 1990، وأصبحت مسؤولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن ما يقرب من خمسة ملايين حالة وفاة سنويًا بسبب الأمراض غير السارية.

اقرأ ايضًا: من المسؤول الحقيقي عن السمنة.. الدهون أم النشويات؟

ولا تبدو مصر بعيدة عن هذه الأزمة، بل تُعد من بين الدول الأعلى في معدلات السمنة بمنطقة الشرق الأوسط، حيث تشير بيانات منظمة الصحة العالمية والمسح الصحي للأسرة المصرية إلى أن نحو 40% من البالغين يعانون السمنة، مع ارتفاع واضح بين السيدات، وهو ما يضع البلاد أمام تحدٍ صحي كبير يرتبط بارتفاع معدلات الإصابة بالسكري وأمراض القلب والكبد الدهني.

ورغم استخدام الكثيرين لمصطلحي “زيادة الوزن” و”السمنة” باعتبارهما شيئًا واحدًا، فإن الطب يفرق بينهما بوضوح. فزيادة الوزن تبدأ عندما يتراوح مؤشر كتلة الجسم بين 25 و29.9، بينما يبدأ تشخيص السمنة عندما يصل المؤشر إلى 30 أو أكثر. لكن الأطباء يؤكدون أن مؤشر كتلة الجسم ليس وحده المعيار، إذ إن توزيع الدهون داخل الجسم، وخاصة الدهون المتراكمة حول البطن، يعد من أخطر المؤشرات التي تزيد احتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة.

السمنة.. المرض الذي يقف خلف أكثر من 200 مشكلة صحية.. لماذا لم تعد مجرد زيادة في الوزن؟

ولسنوات طويلة ارتبطت السمنة في أذهان البعض بقلة الحركة أو الإفراط في تناول الطعام، إلا أن الدراسات الحديثة أثبتت أنها مرض معقد تشترك في حدوثه عوامل وراثية وهرمونية ونفسية وبيئية، إلى جانب اضطرابات مراكز الشبع والجوع داخل المخ، وهو ما يفسر لماذا يفشل كثير من الأشخاص في إنقاص أوزانهم رغم الالتزام بالحميات الغذائية المتكررة.

وتكمن خطورة السمنة في أنها لا تأتي وحدها، بل تفتح الباب أمام أكثر من 200 مرض ومضاعفة صحية. فهي تعد أحد أهم أسباب الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، كما تزيد بصورة كبيرة من احتمالات الإصابة بارتفاع ضغط الدم، وتصلب الشرايين، والجلطات، وفشل القلب، فضلًا عن ارتباطها بما لا يقل عن 13 نوعًا من السرطان، من بينها سرطان الثدي والقولون والكبد والبنكرياس وبطانة الرحم.

ولا تتوقف المضاعفات عند هذا الحد، إذ تؤدي السمنة أيضًا إلى الإصابة بالكبد الدهني الذي قد يتطور مع الوقت إلى تليف أو سرطان بالكبد، كما تزيد من فرص الإصابة بانقطاع التنفس أثناء النوم، وخشونة المفاصل، وآلام العمود الفقري، ومشكلات الخصوبة لدى الرجال والسيدات، إضافة إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم.

ورغم أن النظام الغذائي الصحي وممارسة الرياضة يمثلان حجر الأساس في العلاج، فإن الأبحاث الحديثة أوضحت أن الجسم يقاوم فقدان الوزن من خلال خفض معدل الحرق وزيادة هرمونات الجوع، وهو ما يجعل كثيرًا من المرضى يستعيدون الوزن المفقود بعد أشهر قليلة، حتى مع استمرار محاولاتهم.

ومن هنا جاءت أهمية العلاج الدوائي، حيث توصي الإرشادات الطبية العالمية باستخدام أدوية علاج السمنة لدى المرضى الذين يبلغ مؤشر كتلة الجسم لديهم 30 فأكثر، أو 27 فأكثر إذا كانوا يعانون أمراضًا مصاحبة مثل السكري أو ارتفاع ضغط الدم. وخلال السنوات الأخيرة أحدثت الأدوية الحديثة المعتمدة على هرمونات الشبع مثل GLP-1 وGIP نقلة كبيرة في علاج السمنة، بعدما أثبتت قدرتها على تحقيق فقدان ملحوظ في الوزن، مع تحسين مستويات السكر وضغط الدم وتقليل مخاطر أمراض القلب لدى بعض المرضى، إلا أن استخدامها لا يتم إلا تحت إشراف طبي وبعد تقييم دقيق للحالة.

السمنة.. المرض الذي يقف خلف أكثر من 200 مشكلة صحية.. لماذا لم تعد مجرد زيادة في الوزن؟

أما في الحالات الأكثر شدة، فقد تصبح جراحات السمنة الخيار الأنسب، خاصة لمن يزيد مؤشر كتلة الجسم لديهم على 40، أو 35 مع وجود أمراض مصاحبة، وقد أثبتت الدراسات أنها تسهم في إطالة العمر وتحسين جودة الحياة وتقليل مضاعفات السكري وأمراض القلب.

ويرى الخبراء أن الوقاية تظل الحل الأكثر فاعلية، وتبدأ منذ الطفولة، من خلال تشجيع التغذية الصحية، وتقليل استهلاك المشروبات السكرية، وزيادة النشاط البدني، وتقليل ساعات الجلوس أمام الشاشات، مع الاهتمام بالنوم الكافي.

وفي النهاية، يؤكد الأطباء أن السمنة ليست مشكلة تجميلية كما يعتقد البعض، بل مرض مزمن يحتاج إلى تشخيص وعلاج ومتابعة، وأن الهدف لم يعد مجرد إنقاص الوزن، وإنما حماية الإنسان من عشرات الأمراض الخطيرة، وإطالة سنوات الحياة بصحة وجودة أفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top