«الطاعون» يعود إلى العناوين بعد وفاة غامضة في روسيا.. هل يهدد المرض أوروبا من جديد؟

أعاد حادث غامض داخل معهد روسي لمكافحة الطاعون في مدينة إيركوتسك بشرق سيبيريا واحدًا من أقدم الأمراض المعدية في التاريخ إلى دائرة الاهتمام، بعد وفاة موظفة في المعهد إثر حادث معملي، وسط تقارير إعلامية تتحدث عن الاشتباه في إصابتها بالطاعون الرئوي.

ورغم خطورة المرض وسرعة تطوره، فإن المعلومات المتاحة حتى الآن لا تشير إلى تفشٍ مؤكد، كما أن الاشتباه في إصابة الموظفة بالطاعون لم يُحسم معمليًا. لذلك فإن الحديث عن «تفشي الطاعون في روسيا» في الوقت الراهن يسبق الأدلة المتاحة، بينما تبقى الواقعة قيد المتابعة الصحية.

ماذا حدث في روسيا؟

بحسب التقارير المتداولة، توفيت موظفة تعمل في معهد لمكافحة الطاعون في إيركوتسك بعد حادث وقع داخل المختبر تضمن انكسار أنبوب اختبار. وأثارت الوفاة تكهنات بشأن احتمال تعرضها لبكتيريا Yersinia pestis المسببة للطاعون، وبالتحديد الشكل الرئوي منه.

وفي المقابل، قالت السلطات الروسية إنه لا توجد أدلة تثبت أن مرض الموظفة ووفاتها نتجا عن أحد مسببات الأمراض التي كانت تتعامل معها في المختبر.

وتحدثت وسائل إعلام عن إخضاع نحو 200 شخص من المخالطين للمراقبة الطبية، إلى جانب إجراءات احترازية داخل عدد من المنشآت الصحية. لكن هذه التفاصيل، ولا سيما الحديث عن حجر عدة مستشفيات، تحتاج إلى التعامل معها باعتبارها تقارير إعلامية لم تُدعَّم حتى الآن بإعلان صحي رسمي مفصل.

اقرأ ايضًا: هل عاد «الطاعون الأسود»؟ وفاة غامضة في روسيا تثير المخاوف

هل نحن أمام تفشٍ جديد؟

هذه هي النقطة الأهم. حتى الآن لا توجد معلومات موثوقة تسمح بوصف الواقعة بأنها تفشٍ للطاعون الرئوي، ولا توجد في المعلومات المتاحة دلائل على سلسلة انتقال مستمرة بين البشر.

ومن الناحية الوبائية، فإن وقوع إصابة محتملة داخل مختبر لا يعني تلقائيًا بدء وباء. فعزل المخالطين سريعًا، وتتبعهم طبيًا، وتطبيق إجراءات مكافحة العدوى عوامل تقلل بشدة فرص انتشار المرض خارج نطاق التعرض الأولي.

كما أن تأكيد الإصابة بالطاعون لا يعتمد على الأعراض أو الاشتباه وحدهما، بل يحتاج إلى اختبارات معملية للكشف عن بكتيريا Yersinia pestis في عينات مناسبة.

الطاعون لم يختفِ من العالم

قد يبدو اسم «الطاعون» مرتبطًا في أذهان كثيرين بأوبئة القرون الوسطى، لكنه في الحقيقة لم يختفِ.

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الطاعون مرض بكتيري حيواني المنشأ، توجد بكتيريا Yersinia pestis المسببة له بصورة طبيعية في بعض الثدييات الصغيرة والبراغيث التي تعيش عليها. وخلال الفترة من 2019 إلى 2025، جاءت غالبية الحالات البشرية المُبلغ عنها للمنظمة من جمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر.

ما الطاعون الرئوي؟ ولماذا هو الأخطر؟

للطاعون ثلاثة أشكال رئيسية: الدبلي، والإنتاني، والرئوي. ويُعد الطاعون الرئوي أكثرها ضراوة لأنه يصيب الرئتين ويمكن أن ينتقل بين البشر عبر الجسيمات التنفسية عند المخالطة القريبة لمصاب.

وقد تكون فترة حضانته قصيرة للغاية، تصل في بعض الحالات إلى نحو 24 ساعة، فيما يمكن أن يتطور المرض بسرعة شديدة إذا لم يبدأ العلاج مبكرًا. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الطاعون الرئوي غير المعالج قد يكون قاتلًا، لكن فرص التعافي ترتفع بدرجة كبيرة عند اكتشافه وعلاجه بالمضادات الحيوية في الوقت المناسب.

اشتباه في «الطاعون الرئوي» بروسيا يثير القلق.. هل هناك خطر حقيقي على أوروبا؟

أعراض يجب معرفتها

تتطور أعراض الشكل الرئوي سريعًا، وتشمل الحمى والضعف الشديد وضيق التنفس والسعال، وقد يصاحبه بلغم مائي أو مدمم. ونظرًا إلى سرعة تطور المرض، يمثل التشخيص المبكر وبدء العلاج سريعًا عنصرين حاسمين.

هل يمكن علاجه؟

نعم. وهنا يختلف واقع الطاعون في القرن الحادي والعشرين جذريًا عن صورته التاريخية المخيفة.

فالطاعون عدوى بكتيرية يمكن علاجها بالمضادات الحيوية، وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن العلاج المبكر إلى جانب الرعاية الداعمة فعال، بينما يمثل التأخر في علاج الطاعون الرئوي الخطر الأكبر. وتشمل السيطرة على الحالات المشتبه بها عزل المصاب، وتتبع المخالطين، واتخاذ إجراءات الوقاية ومكافحة العدوى، وقد يتلقى المخالطون المعرضون للعدوى علاجًا وقائيًا وفق تقييم السلطات الصحية.

هل يوجد لقاح؟

لا توصي منظمة الصحة العالمية بتطعيم السكان بصورة عامة ضد الطاعون، وإنما يقتصر الأمر على بعض الفئات شديدة التعرض للخطر، مثل العاملين في المختبرات الذين قد يتعرضون للبكتيريا بصورة مستمرة وبعض العاملين الصحيين.

وهل هناك خطر على أوروبا أو العالم؟

حتى مع افتراض تأكيد الحالة الروسية، فإن الحالة المنفردة لا تعني تلقائيًا وجود خطر وبائي واسع أو اقتراب جائحة جديدة.

الطاعون الرئوي مرض خطير ويستحق الاستجابة السريعة، لكنه معروف طبيًا، ويمكن تشخيصه وعلاجه، كما أن إجراءات العزل وتتبع المخالطين قادرة على قطع سلاسل انتقال العدوى عند تطبيقها سريعًا.

والأهم في واقعة روسيا الحالية هو انتظار التأكيد المعملي والبيانات الرسمية عن المخالطين وأي حالات ثانوية محتملة، بدلًا من الانسياق وراء منشورات مواقع التواصل التي تتحدث بالفعل عن «تفشٍ جديد» أو «وباء يتم إخفاؤه» دون أدلة كافية.

الخلاصة: ما يجري في روسيا يستحق المتابعة وليس الهلع. الطاعون الرئوي من أخطر أشكال العدوى البكتيرية إذا تُرك دون علاج، لكنه في الوقت نفسه مرض قابل للعلاج بالمضادات الحيوية، ولا توجد في المعطيات الموثوقة المتاحة حتى الآن أسباب كافية للحديث عن وباء جديد يهدد أوروبا أو العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top